الحديث عن قاعة ملعب الشهيد محمد بن حداد، حديت ذو شجون، حديت عن ماض جميل، وحاضر يسير على نهجه، ففي هذه القاعة المتواجدة بأعالي الجزائر العاصمة بالقبة، عمّرت أسماء لطالما كانت مصدرا للشغف والمتعة والحماس، لما حملوه من طابع تنافسي داخل وخارج الحلبة يصل لحد الذروة، فتبلغ القلوب الحناجر أحيانا، وتعانق دموع الفرحة نشوة الفوز والانتصار أحيانا أخرى، ففي قاعة ملعب الشهيد محمد بن حداد خرجت أسماء رفعت علم الجزائر عاليا في المحافل الدولية، وكتبت كبرياء الانتصار والخلود لصاحبه وللبلاد، وما الصور التذكارية والبيانات المعلقة على جدرانها إلا شاهدا على ما نقول، فمن هؤلاء من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.
من هنا تخرّج البطل العالمي فنار
من الأسماء البارزة التي حفرت تاريخها بقاعة بن حداد للملاكمة الانجليزية، نجد البطل العالمي عبد السلام فنار، الذي استطاع أن يسمع العالم النشيد الوطني بلوس أنجلوس بأمريكا بعد إطاحته بالملاكم الأمريكي سنة 1985، في نهائي بطولة كأس العالم العسكرية، وعمره لم يتعدى الـ 20 سنة، فنار موهبة فنية قل نظيرها في الفن النبيل وزن الديك 54 كلغ، من خلال حركاته على الحلبة، وجسده القوي المفتول العضلات وضرباته اليسارية القوية، ما أهله للفوز بالذهبية في لوس أنجلوس، وبلقب بطل الجزائر 6 مرات، وألقاب أخرى كنائب بطل المغرب العربي الذي ضاع منه في تونس ضد ملاكم تونسي بطريقة مشبوهة، كما شارك فنار في عدة محافل دولية، كألعاب البحر الأبيض المتوسط بسوريا، بطولات عربية وإفريقية اختلفت مراتبه المتقدمة فيها.
لكحل بطل العالم بالنيابة
قاعة بن حداد تشهد أيضا بإنجازات يوسف لكحل، الذي خسر النزال النهائي في بطولة العالم العسكرية التي أقيمت في أمريكا سنة 1979 وزن الريشة أمام ملاكم أمريكي، لكحل يعد هو الأخر من بين الملا كمين المتميزين الذين كان يعول عليهم لجلب الميداليات للجزائر خارج الوطن، لكن قضاء الله وقدره سبق كل شيء، وتوفي في فرنسا، رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.
بنور، لاشي، بن ناني، عودية، بوكواسي… أبطال متوالون للجزائر
ملاكمون كثر تخرجوا من قاعة الشهيد محمد بن حداد، نالوا شرف التتويج بلقب بطل الجزائر في الملاكمة الانجليزية بعد الاستقلال، على غرار بنور سليمان صاحب الخمس ألقاب وطنية، والمتحصل على المرتبة الخامسة في البطولة العالمية العسكرية لسنة 1985 التي شارك وتوج فيها فنار بالذهب، يوسف بن ناني سنوات الثمانينات، سعيد لاشي، عودية، كريم براكني، وآخرون، والى يومنا هذا لا تزال قاعة الملاكمة المتواجدة بملعب بن حداد تكوّن ملاكمين يصعدون لمنصات التتويج.

بلقاسم والأولمبياد
يعتبر علي بلقاسم الملاكم القبي الوحيد الذي استطاع المشاركة في الأولمبياد (الوزن الثقيل) وكان ذلك قبل الاستقلال، وبالضبط في شهر نوفمبر من سنة 1956 بأستراليا، ومثل بلقاسم فرنسا، وانهزم في الدور ربع النهائي أمام بطل العالم فلوريد باترسون، ومنذ ذلك الحين و”القفاز القبي” تحلم ببلوغ أكبر تظاهرة رياضية في العالم، علما أن فنار عبد السلام استبعد من هذه التظاهرة لأسباب تبقى مجهولة.
فراحي، بوكواسي، وأوراق أبطال قبل الاستقلال
الفن النبيل بالقبة، ليس وليد اليوم، وإنما شهد تواجد ملاكمون بارزون قبل الاستقلال، أمثال محمد فراحي الذي توج بلقب بطل فرنسا سنة 1960 بعد إطاحته بالفرنسي الشهيري جورج بايان، المرحوم رابح أوراق الذي نال لقب بطل فرنسا هو الأخر قبل أن توافيه المنية سنة 1960، كذلك المرحوم محمد بوكواسي الذي توج هو الأخر بلقب بطل فرنسا في الاحتراف، وأسماء أخرى مارست وأحبت هذه الرياضة.

الشهيد سيهيني في الذاكرة
لا يمكن بحال من الأحوال أن يخلو حديث الملاكمة في القبة عن المجاهد الشهيد سعيد سينيهي، الذي وان لم يكتب له التتويج بالذهب والفضية، إلا أن التاريخ كتبه في سجل الأبطال، بعدما سقط في ساحة الوغى ضد المستعمر الفرنسي، ولا يوجد أفضل من ذلك، سيهيني يشهد له قدماء الملاكمة في القبة، والأحياء المجاورة كالمقارية، حسين داي، السمار بفنياته، وحرارته في الحلبة، فرحم الله الفقيد ورحم شهداء الجزائر.
عبد السلام فنار: “كان شعورا لا يوصف وأنا أفوز بلقب بطل العالم في أمريكا”
عاد بنا عبد السلام فنار إلى الانجاز الكبير الذي حققه في نهائيات بطولة كأس العالم العسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية، وقال فنار:” أتذكر يومها أنني فزت على الفرنسي تيلسي جاكوب، في ربع النهائي بالضربة القاضية، كان يهودي الديانة، وفي مباراة نصف النهائي فزت على ملاكم من باناما، وفي النهائي فزت على الأمريكي، كان شعورا لا يوصف، أن تفوز بلقب بطل العالم من أمريكا معقل الفن النبيل، وضد ملاكم أمريكي فهذا شيء كبير، الحمد لله شرفت الجزائر، وهذا شيء أبقى أفتخر به دائما، رغم التهميش والظلم الذي تعرضت له بعدها، بإسقاط اسمي من قائمة المشاركين في الأولمبياد، دون سبب !”.

رمضان خباد: “الملاكمة القبية مدرسة في كل الأوقات”
بكثير من التفاؤل والطموح حدثنا، رئيس فرع رائد القبة للملاكمة رمضان خباد، وهو ملاكم سابق لرائد القبة، سبق له التتويج بلقب الجزائر في عدة مرات، وقال أن هذه القاعة ورثوها عن الآباء، وهي أمانة في عنق كل ملاكم صنع اسما له فيها:” نحن نعيش بالملاكمة، لكن لا نعتبرها مصدر رزقنا، بل نقدم للملاكمة من رزقنا الخاص، هذه القاعة شاهدة على تاريخ الملاكمة الجزائرية، سواء من الملاكمين الذين تخرجوا منها وانتقلوا لفرق أخرى، أو النزالات التي أقيمت عليها، أو الاجتماعات التي عقدت بها، أو التحضيرات، اليوم لازلت القاعة تقدم للجزائر، فهذه القاعة مدرسة للملاكمة الجزائرية، خرجت أبطالا ومازالت “.

زهير بسطول (حكم دولي سابق): “كل قاعة جزائرية لديها تاريخ وتاريخ القبة في الملاكمة يتميز بالأحداث والألقاب”
يشهد زهير بسطول، وهو حكم دولي سابق (1972 إلى سنة 1984) الكثير من الأحداث في قاعة بن حداد، وبمنظور التحكيم، والتجوال الذي غص به بإدارته نزالات في بطولة العالم، بطولات في أوروبا، وفي ريو دي جانيرو، بطولات عربية وافريقية قال أن كل القاعات الرياضية الجزائرية للملاكمة لديها تاريخ، وتاريخ الملاكمة القبية يتميز بالألقاب والأحداث: “عشت الكثير من الأحداث في قاعات الملاكمة عبر العالم، وفي الجزائر، كل قاعة جزائرية لديها تاريخ، كل قاعة لديها أبطال، تاريخ الملاكة القبية حافل بالألقاب وبالأحداث البارزة”.
كريم برادعي ملاكم بالأمس مكون للأجيال اليوم
باعتباره نموذج ناجح من وجوه الملاكمة القبية، وبحكم الألقاب الوطنية التي حاز عليها، والخبرة التي اكتسبها في الحلبة، يشرف اليوم كريم برادعي، على تدريب أكابر، وشبان رائد القبة للملاكمة، والرغبة الكبيرة والحماس يحذوانه في تكوين جيل ناجح من الملاكمين، يشرّفون المنطقة، يحملون المشعل، ويكونون خير خلف لخير سلف، في قاعة اعتلى ملاكموها منصات التتويج، وكان حضورهم بارزا في مختلف البطولات.
أدم عنون

























مناقشة حول هذا المقال