يشهد مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة مفصلية مع انطلاق الشطر الجزائري من الأشغال في ولاية أدرار، عقب الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية المشتركة الذي جمع وزراء الطاقة في الجزائر ونيجيريا والنيجر.
يمتد المشروع على طول إجمالي يناهز 4.130 كيلومتراً، ينطلق من حقول الغاز بجنوب نيجيريا، قبل أن يمر عبر الأراضي النيجيرية لمسافة تقارب 1.037 كيلومتراً، ثم يعبر النيجر على امتداد 841 كيلومتراً، وصولاً إلى الجزائر التي تستحوذ على الحصة الأكبر من المسار بحوالي 2.310 كيلومترات.
أنبوب الغاز العابر للصحراء أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة في إفريقيا والمتوسط
وفي هذا السياق كان ليومية عالم الأهداف حوار مع الخبير الخبير الجيوستراتيجي أحمد ميزاب، الذي أكد أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء لا يمثل مجرد مشروع طاقوي، بل يعد مشروعًا لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للطاقة في إفريقيا وحوض المتوسط، مشيرًا إلى أن دخوله حيز التشغيل الكامل بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا سيمنح الجزائر موقعًا مختلفًا في معادلات الطاقة العالمية.

وأوضح ميزاب أن المشروع سيؤدي إلى انتقال الجزائر من دولة مصدرة للغاز إلى دولة عبور وتجميع للطاقة الإفريقية، حيث سيصل الغاز النيجيري إلى مركز حاسي الرمل قبل إعادة تصديره نحو أوروبا عبر خطوط الربط الموجودة أصلًا، مثل ميدغاز وترانسميد، أو عبر الغاز الطبيعي المسال.
وأضاف أن هذا الواقع يمنح الجزائر ثلاث أوراق قوة أساسية تتمثل في تعزيز موقعها كمحور طاقوي إفريقي-أوروبي، وزيادة أهميتها في الأمن الطاقوي الأوروبي، إلى جانب توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
وأشار إلى أنه من منظور استراتيجي أوسع، ستصبح الجزائر نقطة التقاء بين احتياطات الغاز في خليج غينيا والأسواق الأوروبية، الأمر الذي يرفع من قيمتها الجيوسياسية في حوض المتوسط.
وفي حديثه عن دور المشروع في تعزيز التكامل الإفريقي، أوضح الخبير الجيوستراتيجي أن المشروع يمثل أحد أكبر مشاريع الربط القاري في إفريقيا، إذ لا يقتصر دوره على تصدير الغاز نحو أوروبا فحسب، بل يمكنه أيضًا تزويد دول الساحل بالغاز والطاقة، ما يسمح بظهور مشاريع صناعية وكهربائية جديدة على طول الممر الطاقوي.
وأضاف أن المشروع من شأنه تعزيز الترابط الاقتصادي بين الجزائر والنيجر ونيجيريا، وخلق استثمارات مشتركة في البنية التحتية، فضلاً عن دعم منطقة الساحل بمشاريع تنموية تقلل من هشاشة الاقتصاد المحلي، وتحويل التعاون الأمني إلى تعاون اقتصادي طويل المدى.
وأكد ميزاب أن المشروع يمكن أن يتحول، بهذا المعنى، إلى أداة للاستقرار الإقليمي وليس مجرد أنبوب لنقل الغاز.
وفيما يتعلق بنظرة القوى الدولية لهذا المشروع، أشار المتحدث إلى أن أنبوب الغاز العابر للصحراء يواجه عدة تحديات، من بينها عدم الاستقرار في بعض دول الساحل نتيجة اعتبارات متعددة، خاصة الأمنية منها، على غرار نشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة العابرة للحدود، إضافة إلى المنافسة التي تسعى إلى إجهاض هذا المشروع الحيوي، والحاجة إلى تمويلات ضخمة.
كما لفت إلى أن التحول الأوروبي نحو الطاقات المتجددة يفرض تحديًا زمنيًا على المشروع، لأن نافذة الطلب الأوروبي المرتفع على الغاز ليست مفتوحة إلى الأبد.
وأوضح ميزاب أن القوى الدولية لا تنظر إلى المشروع باعتباره مجرد مشروع اقتصادي أو طاقوي، بل باعتباره مشروعًا ذا أبعاد جيوسياسية عميقة قد يعيد رسم جزء من خريطة النفوذ في إفريقيا وحوض المتوسط.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن الاتحاد الأوروبي يرى في المشروع فرصة استراتيجية لتعزيز أمنه الطاقوي وتنويع مصادر الإمداد في مرحلة ما بعد أزمات الطاقة التي كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على عدد محدود من الموردين.
ومن هذا المنطلق، تنظر بروكسل إلى الجزائر باعتبارها شريكًا محوريًا قادرًا على ربط الاحتياطات الغازية الضخمة في غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية، بما يعزز استقرار الإمدادات ويمنح أوروبا هامشًا أكبر في إدارة أمنها الطاقوي.
أما الولايات المتحدة، فيرى الخبير أنها تنظر إلى المشروع من زاوية أوسع ترتبط بتوازنات النفوذ الدولي في القارة الإفريقية، حيث تدعم المبادرات التي تساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية وتنويع مصادر التزويد، لكنها تتابع المشروع باعتباره أحد المسارات التي قد تؤثر في حجم الحضور الروسي والصيني داخل قطاع الطاقة الإفريقي. لذلك لا تبدي واشنطن معارضة للمشروع، بل تعتبره أداة يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والإقليمي إذا تم تطويره ضمن بيئة آمنة ومستقرة.
وبخصوص الصين، أوضح ميزاب أنها ترى في المشروع فرصة جديدة لترسيخ حضورها الاقتصادي في إفريقيا، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة، باعتبار أن مشاريع الربط القاري الكبرى تشكل أحد أهم مداخل النفوذ الاقتصادي طويل المدى. كما أن مشاركتها المحتملة في تمويل أو إنجاز أجزاء من المشروع قد تمنحها موقعًا متقدمًا داخل فضاء الساحل وغرب إفريقيا، بما ينسجم مع استراتيجيتها القائمة على توسيع شبكات الترابط الاقتصادي والتجاري عبر القارة.
أما روسيا، فتتعامل مع المشروع، بحسب المتحدث، بمنطق براغماتي، إذ رغم أن أي كميات إضافية من الغاز الإفريقي المتجه إلى أوروبا قد تشكل منافسة نسبية لبعض المصالح الروسية في السوق الأوروبية، فإن موسكو تدرك في الوقت نفسه أن قطاع الطاقة العالمي يتجه نحو مزيد من التشابك والتكامل، لذلك لا يُستبعد أن تنظر إلى المشروع باعتباره مجالًا للتعاون والاستثمار، خاصة في ظل الخبرة التي تمتلكها الشركات الروسية في مشاريع الطاقة الكبرى.
وفيما يخص الضمانات المطلوبة لحماية هذا الممر الطاقوي الحيوي، شدد الخبير الجيوستراتيجي على أن نجاح المشروع لن يتوقف على الهندسة والتمويل فقط، بل على الأمن الاستراتيجي أيضًا.
وأوضح أن الضمانات الضرورية تشمل إنشاء منظومة أمنية ثلاثية دائمة بين الجزائر والنيجر ونيجيريا، ودمج المراقبة الفضائية والطائرات بدون طيار وأنظمة الإنذار المبكر على طول مسار الأنبوب، إلى جانب ربط حمايته ببرامج تنمية محلية في المناطق التي يمر بها.
كما دعا إلى إنشاء قوة تدخل سريعة مشتركة مخصصة لحماية البنى التحتية الاستراتيجية، وتطوير آليات استخباراتية مشتركة لمواجهة التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة، فضلًا عن إشراك المؤسسات الإفريقية القارية في توفير غطاء سياسي وأمني للمشروع.
وختم أحمد ميزاب بالتأكيد على أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء سيصبح أحد أهم أدوات إعادة تشكيل ميزان القوة في إفريقيا وحوض المتوسط، وسيحول الجزائر من قوة طاقوية إقليمية إلى عقدة جيوطاقوية تربط احتياطات غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية، وهو تحول ستكون له انعكاسات مباشرة على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني للجزائر خلال العقود القادمة.
أنبوب الغاز العابر للصحراء.. تعزيز لمكانة إفريقيا في سوق الطاقة الأوروبية
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمان عية أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يعد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي من شأنها إعادة تشكيل موازين سوق الطاقة بين إفريقيا وأوروبا، في ظل التحولات التي يشهدها العالم في مجال الطاقة.

وأضاف أن أوروبا، رغم اعتمادها على واردات الغاز القادمة من دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي الذي كان يمثل نحو 40 بالمائة من وارداتها، غير أنها تبنت خطة تهدف إلى إنهاء الاعتماد على الإمدادات الروسية بحلول عام 2027، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن بدائل جديدة.
وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أهمية الموارد الغازية المتوفرة في القارة الإفريقية، خاصة في الجزائر ونيجيريا، إلى جانب دول أخرى على غرار ليبيا، مؤكدًا أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء من شأنه تعزيز مكانة هذه الدول كموردين استراتيجيين للطاقة بالنسبة للسوق الأوروبية.
وبخصوص المكاسب التي يمكن أن تحققها الجزائر من المشروع، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن تموقع الجزائر كدولة عبور وتصدير للغاز النيجيري نحو أوروبا يمنحها أهمية استراتيجية إضافية في سوق الطاقة الدولية، ويعزز دورها كمحور أساسي لنقل الغاز نحو القارة الأوروبية.
وبخصوص التحديات التي قد تواجه المشروع، أوضح عية أن الجانب المالي يظل من أبرز الرهانات، بالنظر إلى حجم الاستثمارات الضخمة التي يتطلبها إنجاز الأنبوب، ما قد يستدعي اللجوء إلى مصادر تمويل دولية، سواء من المؤسسات المالية العالمية أو من البنوك الأوروبية المتخصصة.
وأضاف أن توفر التمويل الدولي لمثل هذا المشروع يعكس وجود اهتمام ودعم استراتيجي دولي له، بالنظر إلى أهميته في ضمان أمن الطاقة وتنويع مصادر التموين.
وفي الشق الأمني، أكد المتحدث أن التطورات التكنولوجية الحالية توفر إمكانيات كبيرة لتأمين المنشآت الطاقوية من خلال أنظمة مراقبة متطورة وكاميرات دقيقة وأجهزة استشعار حديثة، مشيرًا إلى أن الجزائر تمتلك خبرة معتبرة في تأمين البنى التحتية المرتبطة بقطاع الغاز والطاقة بفضل الجهود التي تبذلها المصالح الأمنية والهيئات المعنية.
وأوضح أن الجزء الواقع داخل التراب الجزائري، والذي يمثل ما يقارب نصف طول الأنبوب، سيكون مؤمنًا بشكل جيد، غير أن نجاح المشروع يتطلب أيضًا جهودًا مشتركة من الجزائر ونيجيريا والنيجر لضمان أمن المنشآت والمناطق التي سيمر عبرها الأنبوب.
كما لفت إلى أن طبيعة الأرض في المنطقة الممتدة بين جنوب الجزائر والنيجر ونيجيريا تعد ملائمة نسبيًا لإنجاز المشروع، ما يسمح بوضع الأنابيب وتشغيلها بتكاليف أقل مقارنة ببعض المشاريع المماثلة في دول أخرى مثل روسيا وكندا، حيث تواجه مشاريع الأنابيب تضاريس أكثر وعورة وظروفًا مناخية أكثر تعقيدًا.
وفيما يتعلق بإمكانية اعتبار المشروع بديلاً للغاز الروسي، أوضح عية أنه يمكن النظر إليه باعتباره أحد البدائل المهمة المطروحة أمام أوروبا لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي، غير أن العلاقات الاقتصادية الدولية تبقى متغيرة بطبيعتها، وقد تشهد مستقبلاً إعادة بناء للشراكات الاقتصادية والتجارية بين روسيا والاتحاد الأوروبي بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا.
وأضاف أن عودة العلاقات الروسية الأوروبية، إن حدثت، لن تقلل من أهمية مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، بالنظر إلى التزايد المستمر في الطلب العالمي على الطاقة والغاز الطبيعي، وهو ما يجعل الأسواق بحاجة إلى تنويع مصادر الإمداد بدل الاعتماد على مصدر واحد.
بلقيس بوزيان

























مناقشة حول هذا المقال