في إطار إحياء الذكرى الرابعة والستين لعيد النصر المنعقد في 19 مارس من كل سنة، نظّمت جمعية مشعل الشهيد، بالتنسيق مع جريدة المجاهد، اليوم الأربعاء، منتدى الذاكرة بمقر الجريدة المجاهد، تحت عنوان “من النصر العسكري إلى النصر الدبلوماسي”، والذي خُصّص لاستحضار المسار النضالي للمجاهد الراحل كريم بلقاسم، أحد أبرز مهندسي استقلال الجزائر.
وبالمناسبة، أكدت كوثر كريم، ابنة المجاهد الراحل، أن مسار والدها يعكس التحول النوعي الذي عرفته الثورة الجزائرية، “من معاقل الكفاح المسلح في الجبال إلى فضاءات العمل الدبلوماسي الدولي”، مشيرة إلى أن الاستقلال لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تضحيات جسيمة شارك فيها الشعب الجزائري بمختلف فئاته.
وأوضحت أن والدها حمل مشعل الثورة بإخلاص، مجسداً مبادئ بيان أول نوفمبر، حيث خاض سبع سنوات كاملة في صفوف جيش التحرير الوطني، قبل أن يواصل النضال على الصعيد الدبلوماسي لمدة مماثلة، في سبيل انتزاع الاعتراف الدولي بحق الجزائر في الاستقلال، وفرض حضورها كدولة قادرة على التفاوض بندية.
وأضافت أن هذه المسيرة لم تكن سهلة، بل تخللتها تحديات معقدة وظروف صعبة، ما يجعل من الضروري اليوم الحفاظ على الذاكرة الوطنية وصونها، من خلال التعريف بتضحيات المجاهدين والشهداء، وترسيخها في وجدان الأجيال الجديدة.
وفي السياق ذاته، شددت المتحدثة على أهمية إبراز البعد الدبلوماسي للثورة الجزائرية، الذي ظل، حسب قولها، غير معروف بالشكل الكافي مقارنة بالكفاح المسلح، رغم الدور الحاسم الذي لعبته المفاوضات في تحقيق الاستقلال، خاصة تلك التي أفضت إلى اتفاقيات إيفيان.
كما نفت كوثر كريم ما يُروّج له حول وجود “اتفاقيات سرية”، مؤكدة أن وثائق المفاوضات كانت محل دراسة دقيقة من قبل الوفد الجزائري، بما يعكس حرص القادة على حماية مصالح البلاد والحفاظ على وحدتها الترابية.
ذاكرة الثورة بين الوفاء للأمس واستشراف وعي الأجيال
ومن جانبه، أكد المتدخل بوخالفة أمازيت صحفي سابق، أن استحضار رموز الثورة التحريرية يظل ضرورة وطنية لترسيخ الذاكرة الجماعية وتعزيز روح الانتماء، مشدداً على أن هؤلاء القادة لا يزالون حاضرين بقوة في الوعي الشعبي، رغم تعاقب الأجيال.
وأشار إلى أن تعلق الجزائريين، خاصة الشباب، بالعلم الوطني يعكس وعياً عميقاً بدلالاته الرمزية والتاريخية، موضحاً أن هذا الارتباط يتجاوز المعرفة الأكاديمية، ليعبر عن إحساس داخلي متجذر بقيمة التضحيات التي صنعت الاستقلال.
كما أبرز المتحدث الدور المحوري الذي لعبه كريم بلقاسم خلال مفاوضات إيفيان، مؤكداً أنه جمع بين الشجاعة الميدانية والحنكة السياسية والمهارة الدبلوماسية، ما مكّنه من قيادة وفد التفاوض بكفاءة عالية في مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر.
وأوضح أن مفاوضات 18 مارس 1962 لم تكن حدثاً عابراً، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من الكفاح والتخطيط، مشيراً إلى أن الوفد الجزائري تميز باستقلالية في اتخاذ القرار، على عكس الطرف الفرنسي، وهو ما يعكس قوة الموقف الجزائري ووحدة صفه آنذاك.
ومن جهته، أكد كمال بن خلوف، عضو المجلس الشعبي الوطني، في مداخلة له، أن جيل الاستقلال مدعو اليوم إلى استيعاب عمق التضحيات التي قدمها رجال الثورة، مشدداً على ضرورة ترسيخ صورة المجاهدين كرموز للوحدة الوطنية والبطولة في الوعي الجماعي.
وأوضح أن الثورة الجزائرية أثبتت أن الإيمان بالقضية وعدالتها قادران على صنع التحولات الكبرى، حيث تمكن الجزائريون، رغم محدودية الإمكانيات، من تحقيق انتصارات عسكرية ودبلوماسية بارزة، بفضل وعيهم وإصرارهم.
كما أشار إلى أن جيش التحرير الوطني تحوّل خلال الثورة إلى مدرسة حقيقية أفرزت قادة ميدانيين وسياسيين من طراز رفيع، مضيفاً أن المفاوض الجزائري أبان عن ذكاء وحنكة في إدارة الحوار مع الطرف الفرنسي، من خلال تمسكه بمواقف واضحة وصريحة.
ودعا بن خلوف إلى الحفاظ على صورة موحدة لرموز الثورة، معتبراً أن أي خلافات تاريخية لا ينبغي أن تحجب الدور الجماعي الذي لعبوه في تحرير الوطن، ولا أن تؤثر على مكانتهم في الذاكرة الوطنية.
وشدد المتدخلون في أشغال المنتدى على أن إحياء ذكرى عيد النصر ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو مناسبة لتجديد العهد مع تضحيات الشهداء والمجاهدين، والعمل على نقل هذه الذاكرة للأجيال القادمة، باعتبارها ركيزة أساسية لبناء جزائر قوية، متماسكة ومعتزة بتاريخها.
وللذكر، فقد شكّل هذا اللقاء التاريخي فضاءً علمياً وثقافياً لاستعراض مختلف محطات كفاح الشعب الجزائري، بدءاً من النضال السياسي في إطار الحركة الوطنية، مروراً بالكفاح المسلح خلال الثورة التحريرية، وصولاً إلى تتويج هذا المسار التاريخي بإمضاء اتفاقيات إيفيان التي كرّست استقلال الجزائر.
بثينة ناصري



























مناقشة حول هذا المقال