في إطار العلاقات الثنائية بين الجزائر وإيطاليا، شرع رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، منذ يوم الثلاثاء، في زيارة رسمية إلى العاصمة الإيطالية روما، على رأس وفد وزاري رفيع، للمشاركة في أشغال الدورة الخامسة للقمة الحكومية الجزائرية–الإيطالية رفيعة المستوى.
حظي الرئيس تبون، لدى وصوله إلى روما يوم أمس الثلاثاء، باستقبال رسمي وفق التقاليد الدبلوماسية الإيطالية، حيث جرت مراسم الترحيب بالقصر الرئاسي “كورينالي”، من قبل الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا.
فيما عقد اليوم ، رئيس الجمهورية محادثات موسعة مع نظيره الإيطالي، شملت أعضاء وفدي البلدين، وتناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية في شتى المجالات، بما يعكس الإرادة السياسية المشتركة في تطوير التعاون الاستراتيجي القائم بين الجزائر وإيطاليا.
وفي ذات السياق، استقبلت رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي، جورجيا ميلوني، رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون بمقر “فيلا دوريا بامفيلي”.
وعلى هامش هذه الزيارة، ترأس وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، رفقة نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، أشغال منتدى الأعمال الجزائري–الإيطالي.
وعقب الاستقبال، أشرف الرئيس تبون والسيدة ميلوني على مراسم التوقيع على سلسلة من اتفاقيات الشراكة والتعاون بين الجزائر وإيطاليا.
حيث تم في هذا الصدد التوقيع على اتفاق ثنائي في مجال الزراعة والصيد البحري ومذكرة تفاهم بين الشركة الإيطالية لتعزيز الاستثمار والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وكذا بروتوكول تفاهم بين مجمع سوناطراك و شركة إيني (ENI) الإيطالية.
كما تم التوقيع على اتفاقية في مجال الإنتاج السينمائي ومذكرة تفاهم في مجال البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية، الى جانب مذكرة تفاهم في مجال حماية الأشخاص ذوي الهمم، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم في مجال مكافحة الحرائق.
وكان رئيس الجمهورية قد ترأس قبل ذلك رفقة رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي الدورة الخامسة للقمة الحكومية الجزائرية-الإيطالية رفيعة المستوى.
ملامح شراكة استراتيجية جديدة بين الجزائر وإيطاليا
وفي مؤتمر صحفي على هامش القمة، جمع الطرفان بعد القمة أكد رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، أن ما تم إنجازه في القمة الجزائرية-الإيطالية، يفتح آفاقا واسعة للشراكة الجزائرية-الإيطالية وتقوية الإستراتيجية النموذجية وروابط الصداقة المتجذرة بين الجزائر وإيطاليا.
وأكد الرئيس تبون أنه تم تجسيد “خطوات عملية مُعبّرة عن إرادة راسخة لتقوية علاقتنا الثنائية التاريخية ومد المزيد من جسور التعاون ليشمل قطاعات واعدة على غرار الموارد المائية، الزراعة والصناعة والنقل والتعاون الثقافي والعلمي والطاقة والطاقات المتجددة”.
مشيرا الى أن زيارته إلى إيطاليا تشكل لبنة جديدة في صرح العلاقات النموذجية بين البلدين الصديقين، ومحطة بارزة في سياق العمل والتنسيق المتواصل لتعزيز وتوسيع الشراكة بينهما.
على صعيد آخر، دعا رئيس الجمهورية المجتمع الدولي إلى “تحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية لوقف الإبادة والانتهاكات المتواصلة في حق الشعب الفلسطيني”، حيث قال بهذا الخصوص: “عبرنا في ذات السياق عن قلقنا إزاء الوضع العام في الشرق الأوسط وما يستدعيه من مساع ملحة وعاجلة لتفادي التصعيد وعدم الاستقرار في المنطقة”.
وفيما يخص النزاع في الصحراء الغربية، أكد رئيس الجمهورية الدعم المشترك للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي عادل وفق الشرعية الدولية يمكّن الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرر المصير.
وخلص رئيس الجمهورية إلى الإعراب عن يقينه بأن ما تم إنجازه خلال هذه القمة، سواء تعلق الأمر بالاتفاقيات القطاعية الموقعة أو بنتائج ملتقى رجال الأعمال الجزائري-الايطالي “يفتح آفاقا واسعة للشراكة الجزائرية-الإيطالية الاستراتيجية والنموذجية، تعكس حقا عمق العلاقات العريقة وروابط الصداقة المتجذرة بين البلدين”.
تُعد هذه الزيارة محطة محورية في مسار العلاقات الجزائرية–الإيطالية، كونها تأتي في ظرف إقليمي ودولي حساس، وتكرّس رؤية الجزائر في بناء شراكات استراتيجية تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
كما تؤكد هذه الزيارة المكانة التي أصبحت تحتلها الجزائر في السياسة الخارجية الإيطالية، باعتبارها شريكًا موثوقًا في ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وقوة فاعلة في تعزيز الأمن والتنمية في المنطقة.
تُعَدُّ إيطاليا واحدة من أبرز الشركاء الأوروبيين للجزائر، ليس فقط في المجال الاقتصادي، بل كذلك على المستوى السياسي والأمني، وقد شهدت السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا في حجم التبادل التجاري والتعاون في ملفات ذات بُعد استراتيجي.
وتأتي زيارة الرئيس تبون في سياق تعزيز هذا التوجه، وترسيخ الشراكة متعددة الأبعاد مع روما، في وقت يشهد فيه الحوض المتوسطي تحولات جيوسياسية عميقة، ما يمنح الجزائر موقعًا محوريًا في رسم معالم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
في ظل أزمة الطاقة العالمية، برزت الجزائر كأحد أبرز الممونين الموثوقين لأوروبا، لاسيما لإيطاليا، التي تُعد ثاني أكبر مستورد للغاز الجزائري بعد إسبانيا، وتُشكّل هذه الشراكة في قطاع الطاقة ركيزة أساسية للعلاقات الثنائية.
التقارب الجزائري–الإيطالي لم يكن بمعزل عن التفاهم السياسي، بل جاء مدعومًا بإرادة قوية من قيادتي البلدين لتأسيس نموذج جديد من العلاقات يقوم على المساواة والتكامل، فرغم اختلاف السياقات، يلتقي البلدان في رؤيتهما المشتركة لأهمية بناء فضاء متوسطي متعاون، يحترم سيادة الدول، ويعتمد الحوار كآلية لحل النزاعات.
الزيارة إلى روما تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الجزائرية–الإيطالية، قوامها الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وتشير المؤشرات إلى توجّه البلدين نحو تفعيل مشاريع ملموسة على جميع الأصعدة، وتوسيع التعاون في كل القطاعات.
تُواصل الجزائر بقيادة الرئيس تبون إعادة تموضعها كقوة إقليمية وشريك يُعتد به، وزيارته إلى إيطاليا تأتي لتُعزّز هذا الاتجاه، وتُبرز دبلوماسية جزائرية واقعية وفعالة، تسعى لبناء جسور الشراكة لا الجدران، وترتكز على مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال