تم في الفترة الأخيرة تكريم المؤرخ ورائد الدراسات العثمانية بالجزائر, ناصر الدين سعيدوني, بـ “وسام العالم الجزائري” الذي تمنحه سنويا “مؤسسة وسام العالم الجزائري” للعلماء والباحثين والمثقفين الجزائريين، “تقديرا لجهوده في المحافظة على الذاكرة الوطنية.
النشأة والتكوين
يعتبر ناصر الدين سعيدوني من مواليد سنة 1940 بزاوية بن مرزوق، بلدية بئر الشهداء بولاية أم البواقي حيث قضى طفولته بها إلى غاية سبع سنوات انتقل بعدها إلى مدينة تلاغمة وخلال هذه الفترة بحكم مولده ونشأته المحافظة فقد تلقى تربية دينية وخلقية قويمة على غرار ما كان عليه أبناء الجزائر، فأول علم نهل منه هو القرآن الكريم الذي أعطاه قوة في هضم العلوم وسرعة البديهة والفطنة.
المسار الاكاديمي
كان المؤرخ قد نشأ في فترة عرفت فيها الجزائر نمو الفكر الوطني التحرري الذي تبنته الحركة من أجل الحريات الديمقراطية هذه الحركة التي استطاعت أن تكسب إليها غالبية الشعب الجزائري. وقد حصل على عدة شهادات في التاريخ والجغرافيا منها دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر سنة 1974 كما حصل سنة 1988 على شهادة دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة إكس أون بروڤنس بفرنسا، وقد درس بجامعة الكويت من 2001 إلى 2011 وترأس قبلها المجلس العلمي لكلية العلوم الإنسانية بجامعة الجزائر، كما نشر 32 كتابا والعديد من الدراسات والبحوث منها :
دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر”الجزائر في التاريخ” و”النظام المالي للجزائر 1792-1830″.
مشاركته في مؤسسة آل البيت بالأردن ببحث بعنوان الأراضي في القوانين العثمانية، ومؤسسة الوقف التركية للدراسات الإسلامية باسطنبول
المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس كما حاضر في العديد من المراكز العلمية والجامعية، كما يحوز العضوية في العديد من الهيئات الفكرية والعلمية، منها: عضو في اتحاد المؤرخين العرب بالعراق، وعضو في
رابطة المؤرخين الجزائريين كما تحصل على عدة شهادات تزكية وتقديم وتكريم في العديد من الجامعات.
موسوعة علمية لتاريخ الجزائر
لقد أثرى الدكتور ناصر الدين سعيدوني، المكتبة التاريخية الجزائرية بعدد كبير من المؤلفات، تناول فيها بصفة خاصة الجوانب المتعلقة بالاقتصاد الجزائري خلال حقبة العهد العثماني، وهو مجال عصيّ على الكثير من الباحثين لما يتطلبه من جهود فكرية ودقة في تقديم المعلومات.
ولقد حزّ في نفس الدكتور سعيدوني أن لا تملك الجزائر موسوعة علمية لتاريخها العريق الضارب بجذوره في أعماق الماضي البعيد، لذا عقد العزم أن يسعى بجهوده الخاصة وحرّ ماله إلى إنجاز هذا العمل الكبير، الذي عجزت عنه هيئات ومؤسسات كثيرة معنية بالثقافة عن انجازه.
أسس مؤسسة علمية تهتم بالتاريخ
ولما كان يدرك فعلا أن مشروعه ممدودٌ وعمره محدود، فقد عقد العزم على تأسيس مؤسسة علمية “مؤسسة ناصر الدين سعيدوني”، تكون عابرة لعمره، تواصل البحث العلمي في غيابه، ولهذه المؤسسة العلمية ثلاثة محاور وهي: أولا: مجلة محكّمة بعنوان “مقاربات”، تعنى بالدراسات التاريخية والعمرانية. ثانيا: انجاز ” المدوّنة الجزائرية”، وهي موسوعة تاريخية ودائرة معارف خاصة بالعلوم الإنسانية.
المحور الثالث: الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، باعتبارها جسرا لاستيعاب الأبحاث العلمية الأجنبية في مجال التاريخ، قصد إثراء المكتبة الجزائرية.
مواقف وآراء:
هذا ومن آراء الدكتور ناصر الدين سعيدوني، أن الثورة الجزائرية قد اكتفت بتحرير جغرافية الجزائر فقط، واستهلكت حكوماتها بعد استرجاع الاستقلال جلّ وقتها في بناء صرح الدولة، دون التركيز على” بناء الذات الثقافية” الضرورية للإقلاع الحضاري كما حدث في الصين مثلا، ولاحظ أيضا بألم شديد، أن الشعب الجزائري يتكلم أكثر ممّا يكتب، وهي مثلبة تعاني منها الشعوب المتخلفة، ومن آرائه الجريئة أن الخطاب الإيديولوجي الضيِّق في العالم العربي، قد جعل الخطاب المعرفي يتراجع إلى الخلف، كما يدعو الدكتور سعيدوني أيضا إلى الاهتمام بالثقافة الجزائرية بكل مكوّناتها خاصة في البرامج التعليمية، وإلى إعطاء الريادة للغة العربية في المجتمع، مع ضرورة الانفتاح على العالم الخارجي.
وللتخلص من هذه الحالة المقلقة الصعبة، فلا بد من ثورة فكرية- علمية تشمل المنظومة التربوية والمنظومة الجامعية بالدرجة الأولى، لتدارك ما فاتنا من الوقت.
سعيدوني :” يجب إعادة النظر في المثقف ومكانته “
وعبر ناصر الدين سعيدوني عن سعادته خلال تكريمه قائلا أنه :”يجب إعادة التفكير في مفهوم المثقف ومكانته” معتبرا أن “المثقف هو الذي يعبر عن تطلعات المجتمع” مضيفا أن هناك “أفرادا مثقفين ولكنهم غير مؤثرين لأنهم لم يشكلوا طبقة مثقفة فاعلة في المجتمع”.
وندد صاحب كتاب “المسألة الثقافية في الجزائر” بما سماه “وجود مثقفين سلبيين ذوي أطروحات فرنسية يبحثون عن هوية مضللة ومتخيلة للجزائر خارج الهوية الحضارية للأمة الجزائرية” داعيا في نفس الوقت إلى “مشروع وطني ذي هوية خلاقة واعدة ومعبرة عن الذات بعيدا عن الأطروحات الفرنسية”.
ورافع سعيدوني أيضا من أجل تأسيس “أكاديمية للعلوم الإنسانية” من أجل “تثمين +التميز العلمي+ باعتباره الهدف من كل نشاط علمي”, مضيفا أن “جوهر هذا التميز العلمي هو تفعيل المعارف في الواقع الاجتماعي والثقافي وتقييمها”.
داود تركية

























مناقشة حول هذا المقال