احتضن مقر المجلس الشوري لاتحاد المغرب العربي بالجزائر العاصمة، اليوم السبت، ندوة تاريخية لإحياء الذكرى الـ69 لمعركة إيسين المشتركة، التي وقعت مطلع أكتوبر 1957 بالمنطقة الحدودية الجزائرية-الليبية، وذلك بمبادرة من جمعية «مشعل الشهيد» والمجلس الشوري لاتحاد المغرب العربي، بالتنسيق مع سفارة دولة ليبيا بالجزائر، في مناسبة أعادت إلى الواجهة إحدى المحطات البارزة في تاريخ التضامن بين الشعبين الجزائري والليبي خلال الثورة التحريرية.
وجرت الندوة تحت عنوان «معركة إيسين محطة من المحطات التاريخية للأخوة والتضامن بين الشعبين الجزائري والليبي»، بحضور شخصيات وطنية وليبية ودبلوماسيين وبرلمانيين وأساتذة وإعلاميين، حيث شكل اللقاء فضاء لاستحضار التضحيات التي قدمها أبناء البلدين، والتأكيد على أهمية توثيق الذاكرة المشتركة ونقل تفاصيلها إلى الأجيال القادمة.
وفي معرض حديثه عن المناسبة، وأكد الأمين العام لمجلس الشورى لاتحاد المغرب العربي، السعيد مقدم، أن إحياء ذكرى معركة إيسين يندرج في إطار استحضار الذاكرة المشتركة وما تحمله من صفحات نضالية وتضحيات مشتركة، مبرزا أن منطقة إيسين كانت، خلال الثورة التحريرية، ممرا لوجستيا وخلفية للثوار الجزائريين، خاصة في ظل تشديد الاستعمار الفرنسي الرقابة على الحدود وتشييده للحواجز، لاسيما خطي شال وموريس.
وأوضح أن الثوار لجأوا إلى المرور عبر الأراضي الليبية لتفادي نقاط المراقبة الفرنسية ونقل الأسلحة والمؤونة، قبل أن تتفطن القوات الاستعمارية لهذه التحركات وتقوم بملاحقة الثوار وقصف المنطقة بالطيران، ما أسفر عن سقوط ضحايا من أبناء الشعبين الجزائري والليبي.
ودعا مقدم إلى إدراج هذه المحطات التاريخية ضمن المناهج العلمية والتربوية، وتشجيع المؤرخين والباحثين على توثيقها، مشيرا إلى أن الجزائر وليبيا اتفقتا سنة 2022 على إحياء ذكرى معركة إيسين سنويا بموقعها، كما تم تدشين معلم تخليدا لها، فيما لا تزال الشاحنات التي تعرضت للقصف موجودة بالمكان.
الذاكرة المشتركة.. جسور للتاريخ والأخوة
وثمن مقدم جهود جمعية «مشعل الشهيد» في إحياء هذه الذكرى، داعيا إلى الاستفادة من شهادات المجاهدين ومن عايشوا تلك المرحلة لتثبيت تفاصيل التاريخ المشترك، مشددا على أهمية تفعيل لجان الصداقة البرلمانية بين الجزائر وليبيا، بما يسهم في دعم وحدة ليبيا وسيادتها واستقلال قرارها الوطني، ومرافقة مسار استعادة المؤسسات واستكمال المسار الدستوري وتنظيم الاستحقاقات الانتخابية.
ومن جهته، أكد رئيس جمعية «مشعل الشهيد»، محمد عباد، حرص الجمعية على إحياء الذاكرة المشتركة بين الشعبين الجزائري والليبي، مستحضرا مبادراتها السابقة، من بينها تنظيم أسبوع ثقافي حول مناصرة المثقفين والإعلاميين العرب للثورة الجزائرية.
وأشار عباد إلى استقبال أفراد عائلة المناضل والإعلامي الليبي الراحل سي الهادي ابراهيم المشيرقي، والتعريف بجهوده من خلال كتابه «قصتي مع ثورة المليون ونصف شهيد»، الذي يوثق جانبا من علاقته بالثورة الجزائرية ومواقفه الداعمة لها، مؤكدا مواصلة الجمعية جهودها للتعريف بمختلف الشخصيات والمحطات التي ساهمت في دعم الثورة.
ومن جانبه، استحضر المجاهد محمد الطاهر عبد السلام صفحات من الدعم الليبي للثورة الجزائرية، مؤكدا أن الشعب الليبي، بمختلف شرائحه، وقف إلى جانب الجزائريين منذ السنوات الأولى للثورة، رغم محدودية الإمكانات آنذاك، كما شكلت الأراضي الليبية قاعدة خلفية مهمة لجيش التحرير الوطني.
وتحدث عبد السلام عن تجربته الشخصية في ليبيا، حيث عاش عشر سنوات، مؤكدا أن علاقات الأخوة بين الشعبين تمتد إلى عقود طويلة، قبل أن يعرب عن تضامنه مع الشعب الليبي وأمله في أن تستعيد البلاد استقرارها ومكانتها، مشددا على أهمية الحفاظ على وحدتها وسيادتها.
كما تطرق إلى ما وصفه “بالمؤامرات” التي تستهدف الشعب والدولة الليبية، متهما جهات صهيونية بالسعي، حسب قوله، إلى تفكيك ليبيا وتقسيمها، معربا استنادا إلى ما وصفها بخبرته ومعرفته بالشعب الليبي، عن ثقته في قدرة الليبيين على تجاوز هذه الظروف والحفاظ على وحدة بلادهم ودولتهم الوطنية.
وشدد المجاهد على أن مستقبل ليبيا، وفق رؤيته، ينبغي أن يقوم على الوحدة الوطنية والحفاظ على سيادة الدولة، بما يسمح لها باستعادة دورها الطبيعي ضمن محيطها المغاربي والعربي.
فيما شدد الحضور في ختام مداخلاتهم على ضرورة مواصلة إحياء المحطات المشتركة في تاريخ الجزائر وليبيا، باعتبارها جزءا من الذاكرة المغاربية والعربية، وتعزيز توثيقها بما يحفظ تضحيات الأجيال السابقة ويعرف بها الأجيال الجديدة.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال