أكد وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي، في كلمة أُلقيت نيابة عنه من طرف ممثله شرف الدين نور الدين، أن المدرسة الجزائرية مطالبة اليوم بمواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، مع الحفاظ على القيم الإنسانية والوطنية، وذلك خلال الملتقى الدولي الموسوم بـ«التعليم البيني في عصر الذكاء الاصطناعي»، اليوم بالجزائر العاصمة، احتفاءً باليوم العالمي للعيش معًا بسلام، وذلك بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من داخل الوطن، وخارجه في إطار مواصلة الانفتاح على قضايا التعليم المعاصر ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة
ترسيخ القيم المؤسسة للتعايش الإنساني
وأوضح الوزير في كلمته أن تنظيم هذا الملتقى بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي للعيش معًا بسلام يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية ترسيخ القيم المؤسسة للتعايش الإنساني، معتبرًا أن السلام ليس مجرد غياب للنزاعات، بل هو حالة إيجابية تقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والتعاون والعدالة الاجتماعية.
وأشار إلى أن المدرسة الجزائرية لا تقتصر وظيفتها على نقل المعارف، بل تُعد فضاءً لتشكيل الإنسان وبناء الشخصية الوطنية وتعزيز الروابط الاجتماعية، مؤكدًا أن التربية تربي على احترام الاختلاف وقبول الآخر والحوار بدل الصراع والتعاون بدل الإقصاء.
وفي السياق ذاته، أبرز أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول النظم التعليمية وأساليب اكتساب المعرفة، ما يستوجب اعتماد التعليم البيني ومتعدد التخصصات، القائم على دمج المعارف والمهارات لإعداد متعلم يمتلك التفكير النقدي والإبداعي والقدرة على التكيف.
الذكاء الاصطناعي أصبح فاعلًا أساسيًا في تطوير التعليم
كما أكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح فاعلًا أساسيًا في تطوير التعليم وتوسيع الوصول إلى المعرفة، سواء عبر أدوات التعلم الذكية أو تحليل البيانات التعليمية، غير أن هذه التحولات تفرض تحديات تتعلق بالعدالة الرقمية وحماية البيانات والحياد الخوارزمي والسيادة الثقافية، ما يستدعي اعتماد مقاربة أخلاقية تقوم على الشفافية والإنصاف وحماية الإنسان.
كما شدد على أن الجزائر تنخرط في مسار تدريجي ومدروس لدمج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في قطاع التربية الوطنية، ضمن رؤية توازن بين الانفتاح على التطور التكنولوجي والحفاظ على المرجعية القيمية الوطنية، من خلال تقليص الفجوة الرقمية، وتكوين الأساتذة، وضمان بقاء المدرسة فضاءً إنسانيًا يعتمد أدوات العصر دون التفريط في رسالتها التربوية والحضارية.
وفي ختام كلمته، أكد وزير التربية الوطنية أن مستقبل التعليم لا يُبنى بالتكنولوجيا فقط، بل بالقيم أيضًا، مشددًا على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صناعة جيل ذكي فحسب، بل في إعداد جيل حكيم قادر على العيش مع الآخر وبناء عالم أكثر عدلًا وسلامًا.
تفعيل آليات المنظومة التعليمية
ومن جانبه، أبرز رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، صالح بلعيد، أهمية هذا الملتقى الدولي الذي يهدف إلى تفعيل آليات المنظومة التعليمية عبر مختلف المراحل التعليمية والتكوينية، من التعليم القاعدي إلى التعليم الجامعي والمهني، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي.
وأوضح بلعيد أن العالم أصبح يراهن على صناعة “متخرج المستقبل” انطلاقًا من “تلميذ الحاضر”، من خلال اعتماد مقاربات تربوية حديثة تتجاوز التلقين التقليدي نحو الابتكار والإبداع والتفكير النقدي، مع التركيز على التكامل بين الاختصاصات والاستفادة من التطورات التقنية في بناء المعرفة الإنسانية.
تعزيز التعليم الذاتي
وأشار إلى أن التعليم البيني يمثل ركيزة أساسية في تطوير العملية التعليمية، عبر اعتماد أدوات بحث حديثة مثل الاستبانات والمقابلات والتكامل المنهجي والتفاعل بين المعلم والمتعلم، إلى جانب توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز التعلم الذاتي ويرفع من جودة التكوين ويجعل التعليم أكثر تفاعلاً وفعالية.
وأكد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية أن التكنولوجيا أصبحت ضرورة حتمية في مجال التعليم، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في حسن توظيفها وتوجيهها لخدمة المتعلم، داعيًا إلى تطوير منصات تعليمية رقمية، واستعمال تقنيات البودكاست، ورواية القصص التفاعلية، ودمج محتوى الكتاب المدرسي مع الوسائط الحديثة، بما يساعد على تنمية المهارات الرقمية والفكرية لدى التلاميذ والطلبة.
كما شدد على أهمية فهم التحولات المرتبطة بمستقبل الويب والذكاء الاصطناعي التوليدي، وما تتيحه هذه التقنيات من فرص في تصميم المناهج وتحليل البيانات التعليمية وتخصيص المسارات التعليمية، داعيًا إلى الاطلاع على مخرجات القمم والفعاليات الدولية التي تناقش مستقبل التعليم في ظل الثورة الرقمية.
وفي السياق ذاته، دعا بلعيد إلى ضرورة دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأنظمة التعليمية العربية، باعتباره محفزًا لتحسين الممارسات التعليمية، ومواكبة الثورة الرقمية وثورة الأتمتة، مؤكدًا أن المجتمعات العربية مطالبة بالتعامل بجدية مع هذه التحولات، بدل الاكتفاء بالنقاشات التقليدية حول علاقة الإنسان بالآلة.
وفي ختام مداخلته، أكد صالح بلعيد أن المجلس الأعلى للغة العربية يواصل جهوده في دعم مشاريع الذكاء الاصطناعي والعلوم البينية، والعمل على بناء قاعدة بيانات ومعطيات علمية رصينة في هذا المجال، معتبراً أن تطور الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم التحولات في المسيرة البشرية، وفرصة حقيقية لتطوير اللغة العربية وتعزيز حضورها في العصر الرقمي.
وافتُتحت أشغال هذا المنتدى بمداخلة افتتاحية بعنوان: «أثر دمج تقنيات معالجة اللغات الطبيعية في تنمية المهارات الإعرابية لدى متعلمي اللغة العربية: مقاربة لسانية تعليمية تطبيقية»، من تقديم الدكتور عنتر رمضاني.
لتتواصل بعد ذلك فعاليات الملتقى عبر عدة جلسات علمية، تناولت موضوعات متنوعة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتدريس البيني ومناهج التعليم متعدد التخصصات، حيث ناقش المشاركون أحدث المقاربات والتجارب في تطوير العملية التعليمية في ظل التحولات الرقمية الراهنة.
مراس سهى

























مناقشة حول هذا المقال