تمر اليوم الذكرى 61 لمظاهرات 17اكتوبر 1961 والتي تعتبر أكبر جريمة ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في حق الآلاف من المهاجرين الجزائريين الأبرياء الذين توجهوا ليلة الثلاثاء 17 أكتوبر نحو الشوارع الكبرى وسط العاصمة باريس في مسيرات سلمية، بناءا على نداء جبهة التحرير الوطني وتعبيرا عن رفض الظلم وتنديدا بقانون حظر التجول الذي أقره محافظ الشرطة الفرنسية “موريس بابون” الذي استهدف الجزائريين بمنعهم من الخروج ليلا ابتداء من الساعة الثامنة والنصف مساءا إلى غاية الساعة الخامسة والنصف مساءا.
لكن الشرطة الفرنسية كانت تتربص لهذه المظاهرات، إذ اتخذت كل التدابير لقمع المتظاهرين من أطفال ونساء وعمال وشيوخ، 10 ألاف شرطي ودركي وأعداد لا تحصى من الأسلاك الأخرى للهجوم على نقاط التجمع الثالث التي خططت لها جبهة التحرير الوطني.
جرائم وحشية قامت بها فرنسا ضد المتظاهرين
كان القمع وحشيا، عنيفا ودمويا، استعملت فيه القوات الاستعمارية الراشقات النارية لزهق الأرواح البريئة، فأكثر من 300 شخص قتلوا عشوائيا في الممرات وعلى الأرصفة، ومنهم من رمي في نهر السين، و7500 من المهاجرين تم اعتقالهم وهم مكتوفي الأيدي والأرجل ونقلوا إلى مراز الاستنطاق أين تعرضوا لشتى أنواع التعذيب، وضمن هؤلاء 1500 مهاجر نقلوا إلى الجزائر على متن سفينة بتاريخ 19 أكتوبر 1961، وهذا حسب الكاتب “لوك أينودي” صاحب كتاب “معركة باريس”، ولم يتم تحديد عدد ضحايا تلك المجازر المأسوية.
السفاح “موريس بابون” أكبر مسؤول عن الجرائر
كشفت هذه الجرائم للرأي العام العالمي همجية والوجه الحقيقي لفرنسا الاستعمارية التي كانت تدعي أنها دولة العدالة والقيم الإنسانية، ويعد السفاح “موريس بابون” أكبر مسؤول عن هذه الجرائم والذي أدين سنة 1998 لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.
المظاهرات أجبرت المستعمر للرضوخ للمفاوضات
أكد المؤرخون بأن مظاهرات 17 أكتوبر المروعة أجبرت الاستعمار الفرنسي على استئناف المفاوضات مع الحكومة المؤقتة التي اجتمعت في مدينة بال السويسرية .
وجاء هذا الاجتماع بعد 11 يوم فقط من مجازر 17 أكتوبر أي في 28 من نفس الشهر، أين تم الاتصال بالحكومة المؤقتة الجزائرية آنذاك من أجل بدء” المحادثات”، حيث مثل الطرف الجزائري المرحومين رضا مالك ومحمد الصديق بن يحي.

فاطمة بدار أصغر ضحية لجرائم موريس بابون
تعتبر الطفلة فاطمة بدار أصغر ضحية لجرائم السفاح “موريس بابون ” حيث تم العثور عليها جثة هامدة في نهر سان دونيه يوم 31 أكتوبر 1961، حيث كان لا يتجاوز سنها آنذاك 15 سنة.
سعيد بقطاش “الجثث طفت على سطح الماء”
وفي شهادة سابقة له لقناة الجزيرة نت سنة 2010، أكد سعيد بقطاش -أحد المتظاهرين آنذاك- أن تلك المظاهرات سرعان ما تحولت إلى مجازر، وأن “قوات الشرطة الفرنسية هجمت على المتظاهرين بالهراوات والرصاص الحي، وألقت بعض المتظاهرين مكبلين في نهر السين، وفي اليوم التالي الجثث طفت على سطح الماء”.
وقال سعيد بقطاش إن آلاف الجزائريين اعتقلوا في تلك المظاهرات، مشيرا إلى أن بعضهم مات تحت التعذيب.
حسن زغيدة “مظاهرات 17 أكتوبر جريمة دولة منظّمة”
بدوره صرح المؤرخ الجزائري حسن زغيدة للجزيرة نت، أن ما جرى في مظاهرات 17 أكتوبر يعد جريمة دولة منظّمة، تُعاقب عليها جميع القوانين الدولية ولا تموت بالتقادم، وكشف أن مجازر 17 أكتوبر جرت وسط تعتيم إعلامي، حيث منعت السلطات الفرنسية حضور الصحافة والكتابة عن المجزرة، كما تجاهلت شكاوى ذوي المفقودين في المظاهرات.
مونيك هيرفو “كانوا يلقون بالجثث في النهر”
قالت الناجية الفرنسية من المجزرة مونيك هيرفو في شهادة سابقة لها لنفس المصدر الإعلامي إنها “شاهدت بأم عينيها كيف أطلق عناصر من الشرطة النار على الجزائريين، وكيف كانوا يلقون بالجثث في النهر”.
“أعنف قمع لمظاهرة في أوروبا الغربية في التاريخ المعاصر”
ووصف المؤرخان البريطانيان جيم هاوس ونيل ماكماستر، ما تعرض له الجزائريون يوم 17 أكتوبر في كتابهما “الجزائريون، الجمهورية ورعب الدولة” بأنه “أعنف قمع لمظاهرة في أوروبا الغربية في التاريخ المعاصر”.
ويؤكد المسؤولون الجزائريون أن ضحايا 17 أكتوبر يتراوح بين ثلاثمئة وأربعمئة قتيل، ألقي بجثث العشرات منهم في نهر السين، فضلا عن المفقودين.
المؤرخ إينودي يحمل الشرطة الفرنسية مسؤولية قتلهم
يؤكد المؤرخ الفرنسي جون كلود إينودي في كتابه “معركة باريس”، أن أكثر من مئة إلى 150 جزائري قتلوا أو اختفوا قسرا في تلك الأحداث، كما حمل المؤرخ الشرطة الفرنسية بقيادة “بابون” صراحة مسؤولية قتلهم.
الاعتراف بالجرائم لا يمكنه تغيير وحشية المجازر
أنكرت فرنسا على المستوى الرسمي لسنوات مجزرة 17 أكتوبر، غير أن الرئيس فرانسوا هولاند أقر بها في خطاب له بالجزائر في ديسمبر 2012 لكن دون أن يقدم الاعتذار، حيث قال “إن فرنسا تعترف بكل وعي “بالمأساة” التي تمثلت في قمع دموي تعرض له جزائريون كانوا يتظاهرون من أجل حقهم في الاستقلال”، وكان ذلك أول اعتراف رسمي من فرنسا بتلك المجزرة.
وتحدث مؤرخون فرنسيون عن المجزرة أبرزهم جون لوك اينودي الذي كشف في شهادته التي نشرت في 20 ماي 1998 في صحيفة لوموند أنه في أكتوبر 1961 “وقعت في باريس مجزرة اقترفتها قوات الشرطة بأمر من موريس بابون”.
وبدوره اعترف الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون أن مظاهرات 17 أكتوبر “لا مبرر لها بالنسبة للجمهورية “.
لكن هذه الاعترافات تبقى تحصيل حاصل ولن تجعلنا ننسى أبدا جرائم فرنسا في الجزائر التي زهقت أرواح أجدادنا ولا يمكن لها أن تغير التاريخ الذي كتب بدماء الشهداء وأرواح الأبرياء.
داود تركية
























مناقشة حول هذا المقال