كل عام تستوقفنا ذكرى يوم العلم، لارتباطها بوفاة أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الجزائر الحديث، وكما قال ذات مرة عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين، أن ابن باديس قدم حياته ليحي العلم بعده، وعن المغزى من هذا اليوم وإنصافا لهذه الشخصية، نعرض شهادات لأساتذة ومختصين حول ما يجب أن يعرفه جيل اليوم عن رائد الإصلاح الوطني.
الشيخ كمال بوسنة :”الإمام ابن باديس نعمة إلهية أنعم الله تعالى بها على الجزائر في أصعب ظرف “
وفي مساهمة بعنوان “خواطر عن الإمام عبد الحميد ابن باديس” يؤكد الأستاذ كمال بوسنة الأمين العام لجمعية العلماء المسلمين أن الإمام ابن باديس نعمة إلهية أنعم الله تعالى بها على الجزائر في أصعب ظرف مر عليها، كان الاستعمار الفرنسي الصليبي صانع هذا الظرف العصيب، إذ بعد الاحتلال مباشرة للأرض سعى في هتك العرض، وإفساد النسل والحرث، وغيَّر مجرى حياة الجزائر العربية المسلمة الأصيلة ليصب في محيط مسيحي الجنان، وفرنسي اللسان، وغربي العوائد والقواعد، بل وحاول قدر المستطاع أن يمسح الوجود العربي الإسلامي من الجزائر ويجعل منها أندلسا أخرى..!
لكن صيحة الإمام عبد الحميد بن باديس المنبهة كانت أقوى من مؤامرات فرنسا وأذنابها، فبفضل هذه الصيحة المدوية انتبه أبناء الجزائر واستيقظوا، وعرفوا واقعهم المر وتحركوا ليحاربوا الاستعمار محاربة الأسود، ويطردوه من الدار التي سطى عليها منذ عهود.
لقد عاش ابن باديس رحمة الله عليه وأوقف نفسه لخدمة هذا الثلاثي الذي اختصره في عبارته الشهيرة لتعيها الأجيال القادمة وتعيش لمثل ما عاش له:“الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا”…
– الإسلام الذي قال فيه الإمام عبد الحميد بن باديس في مجلة الشهاب:” الإسلام عقد اجتماعي عام فيه ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه، وقد دلت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام”.
– والعربية التي قال فيها:” علينا أن نعرف تاريخنا ومن عرف تاريخه جدير بأن يتخذ لنفسه منزلة لائقة به في هذا الوجود… ولا رابطة تربط ماضينا بحاضرنا الأغر، والمستقبل السعيد، إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المحروسة…
” إنها وحدها الرابطة بيننا وبين ماضينا، وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها نقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغر الميامين، أرواحهم بأرواحنا، وهي وحدها اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عما في القلب من عقائد وما في العقل من أفكار وما في النفس من آلام وآمال..
– والجزائر التي قال فيها:”…أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض علي تلك الروابط لأجله-كجزء منه- فروضا خاصة، وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة، فأرى من الواجب أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة، وكما أني كلما أردت أن أعمل عملا وجدتني في حاجة إليه، إلى رجاله وإلى ماله، وإلى آلمه وآماله، وكذلك أجدني أعمل-إذا عملت-قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه، وهكذا.
هذا الاتصال المباشر أجده بيني وبين وطني الخاص في كل حال، وفي جميع الأعمال، وأحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لابد أن يجد لنفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة وهذا الاتصال.
نعم، إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطانا أخرى عزيزة علينا هي دائما منا على بال، ونحن فيما نعمل لوطننا الخاص، نعتقد أنه لابد أن نكون قد خدمناها، وأوصلنا إليها النفع والخير، عن طريق خدمتنا لوطننا الخاص…”. (آثار الإمام 4/112).
هكذا عاش الإمام عبد الحميد بن باديس رحمة الله عليه، وعلى ما عاش عليه يجب أن يعيش عليه أتباعه، ومن فرط في واحدة من هذه الثلاثية المقدسة يكون قد خان الأمانة…وأي أمانة..!
الدكتور أحمد بن يغزر:”ابن باديس رجل استراتيجي يحمل رؤية ومشروع ورائد في تشكيل الوعي”
يؤكد الدكتور أحمد بن يغزر وهو أستاذ بجامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة، أن الإمام ابن باديس لم يكن مجرد رجل اصلاح بالمعنى الشائع والبسيط للكلمة والذي يحصره في بعده الأخلاقي والتربوي، ولكنه كان رجلا استراتيجيا يحمل رؤية ومشروعا يشعر كل من يقرأ تراثه الفكري، أو يتأمل مسلكيته في التعامل مع الواقع الجزائري في زمنه، أنه كان يصدر عن فهم عميق، وبصيرة ثاقبة، ليس من المبالغة القول إنها جعلته رائدا في طريق تشكيل الوعي وصيانته وتفعيله لتحقيق المراد.
والواقع أن هذا التميز في شخصية الامام يجد تفسيره في عوامل عدة ابتداء من نبوغه الفطري، الذي عززه وسطه العائلي، وتلقيه التكوين التربوي والعلمي بشكل مبكر وموزون، صقلته أسفاره ولقاءاته المتعددة مع بعض زعماء الإصلاح خلال رحلته لأداء مناسك الحج سنة 1913.
كما أنه تعامل مع الواقع الجزائري آنذاك بكثير من الحكمة، ورتب أولوياته في حركته الإصلاحية بشكل دقيق رغم تأثير السياسات الاستعمارية، والمحاولات المتعددة لإعاقة مشروعه.
لقد كانت أهداف الإمام واضحة تماما، كما أن استراتيجية إنزالها على أرض الواقع كانت واضحة أيضا في ذهنه، ولهذا شرع فيها مباشرة وهي في عمومها يمكن أن تتجمع في النقاط التالية:
– تصحيح عقيدة الجزائريين من الفساد الذي لحق بها، جراء الجهل، وعمل بعض الطرق الصوفية البدعية، مما عمم الخرافة والبدع.
– الحفاظ على اللغة العربية لغة الجزائريين من الاندثار فهي الوعاء الذي يحمل ثقافتهم، ويعبر عن هويتهم، ويحدث الانسجام والتناغم بين مكوناتهم، يقول ابن باديس : “إن هذا اللسان العربي العزيز الذي خدم الدين، وخدم العلم، وخدم الانسان، هو الذي نتحدث عن محاسنه منذ زمان، ونعمل لإحيائه منذ سنين، فليحقق الله أمانينا ”
– تربية الأمة وتهذيبها بمحاربة ما انتشر في أوساطها من أخلاق ساقطة، وعادات ذميمة، كنتاج طبيعي لسياسات الاستعمار القائمة على التفقير والتجهيل وتعزيز الانحرافات بكل أنواعها لوأد أي محاولة للوعي والنهضة.
– زرع وتغذية الروح الوطنية أي روح الانتماء للوطن والوعي بالواجبات التي يفرضها هذا الانتماء، وقد كان الإمام كثيرا ما يستخدم لفظ الوطن والوطنية في مقالاته وكلماته، وهذا في وقت لم يكن من السهل استعمال هذه الكلمة.
الدكتور محمد الدراجي: “ابن باديس شخصية متعددة الأبعاد ”
ابن باديس هبة الله للجزائر بهذا استهل الدكتور محمد الدراجي وهو بروفيسور بكلية العلوم الإسلامية بالجزائر العاصمة قوله، ومنحة إلهية، جمع الله فيها كل المهارات والكفاءات والإخلاص والعطاء في خدمة الدين والوطن، وهو رجل مجدد في الدين، ووطني من الطراز العالي، فهم جيدا أبعاد المشروع الاستعماري وهندس له مشروع معاكس مضاد لإبطال مفعوله وقد وفق والحمد لله إلى حد كبير في إنجاح مشروعه.
فشخصية ابن باديس شخصية معطاءة، متعددة الأبعاد لا تضاهيها سوى شخصية جمال الدين الأفغاني، فهو مجدد وأديب وصحفي وخطيب ووطني ومفكر.
وقد أدرك أهمية الشباب في تغذية حركته الإصلاحية وعول عليهم كثيرا، فكان طلابه وأعوانه من الذين أعدهم في مدرسة التربية والتعليم كالشيخ مبارك الميلي والفضيل الورتلاني وغيرهم، واهتم بتعليم الفتاة وشجعها من خلال إعفائها من رسوم الدراسة وقد بلغ عليه الحرص في ذلك إلى أن راسل حفيدة الأمير عبد القادر في الشام وكانت مسؤولة في مدرسة لإرسال لها بعثات من بنات الجزائر لتعليمهن.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال