في إطار مقاربة سوسيولوجية لظاهرة الامتحانات داخل المجتمع الجزائري، ووقوفا عند أبعادها الاجتماعية والنفسية وما تثيره من نقاش متجدد حول الأسرة والمدرسة والمجتمع، أجرينا هذا الحوار مع الأستاذ المحاضر (ب) بالمدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، آيت طيب عراب، الذي أجاب عن مجموعة من الأسئلة المتعلقة بهذه الظاهرة وتحولاتها وانعكاساتها على التلاميذ.
كيف يمكن قراءة ظاهرة الامتحانات من منظور سوسيولوجي داخل المجتمع الجزائري؟
الامتحانات ليست ظاهرة مقتصرة على القطر الجزائري لوحده بل هي ظاهرة عالمية الغرض منها تقييم المكتسبات المعرفية للطلبة المتمدرسين، ولكل مجتمع تقاليده الخاصة في التعامل معها، حيث تتدخل مجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية في تقديرها والتعامل معها، هنا في الجزائر وبكل صراحة وموضوعية وبعيداً عن لغة العواطف، حيث نرى في السنوات الأخيرة كيف تحولت البيوت إلى مراكز للتعذيب النفسي والاستلاب الاجتماعي للتلاميذ بسبب ضغط الأولياء عليهم بغرض الحصول على أعلى الدرجات في الامتحانات ولو كان ذلك على حساب صحتهم النفسية والعقلية، مما تسبب في كثير من الأحيان بردود فعل غير متوقعة، لعل آخرها ظاهرة الانتحار عند التلاميذ التي عرفت منحنيات متصاعدة في الثلاث سنوات الأخيرة، والمتهم الأكبر الوسط العائلي الذي حول الامتحانات إلى شيء مقدس وفوق كل شيء.. وهذا ما حذر منه علماء النفس أنه كلما مارسنا ضغطا مضاعفا على أبنائنا كلما كانت النتائج على المستوى الشخصي والسلوكي كارثية والواقع خير دليل.
إلى أي مدى تعكس الامتحانات الفوارق الاجتماعية بين التلاميذ؟
للأسف الشديد، تظهر الفوارق جلية في طريقة التعامل مع الأسئلة ومدى قدرة بعض الطلبة دون سواهم على تفكيكها وفهمها فهما مضاعفا على فئة أخرى من التلاميذ، فكثير من التلاميذ يتحصلون على ساعات دعم مضاعفة وهذا يعكس نوعا من الطبقية المعرفية التي انتشرت وتيرتها بشكل ملحوظ، بل أصبحت للأسف الشديد بمثابة برستيج وتفاخر بين كثير من العائلات دون مراعاة شعور قليلي الدخل الذين يكتفون بما تقدمه المدرسة فقط بعض الاجتهادات الشخصية، الأمر المؤسف أنه أثناء الامتحانات نرى الفرق واضحا بين من يتلقون دروسا إضافية وبين من يكتفون بدروس المدرسة، وهذه جرعة في نظري المتواضع والشخصي لأننا بذلك نؤسس لنوع من الانقسام الاجتماعي والطبقي.
ما طبيعة الدور الذي تلعبه الأسرة خلال هذه المرحلة، بين الدعم والضغط؟
لقد أصبحت الأسرة سلاحا ذو حدين، فإما أن تكون عنصر جذب واستقطاب لنجاح أبنائها، أو تتحول لمعول للهدم النفسي والسلوكي لأبنائها، وما نراه اليوم في المجتمع الجزائري يعكس سيرورة غير محمودة العواقب في تصرفات الكثير من الأسر، حيث تحولت مرحلة الامتحانات إلى كابوس يعيشه الأبناء الذين هم في الحقيقة يعيشون بين المطرقة والسندان، مطرقة الفشل التربوي، وسندان العقوبة العائلية، وفي كلا الحالتين تتشكل معالم أزمات نفسية قد تتحول إلى فواجع لا يمكن تصور نهايتها، فالأسرة المتزنة توفر أسباب الراحة والطمأنينة لتهيئة أجواء أكثر مرونة للمراجعة والفهم والاستيعاب، أما الأسرة النرجسية والمتسلطة خاصة بعض الأمهات على وجه التحديد فيحولون مرحلة الامتحانات إلى جحيم، كله قلق وتوتر وصراخ، مما ينجم عنه ما نراه وما سنراه مستقبلا لأن الأمور أصبحت قضية تفاخر اجتماعي لا مجرد مكتسبات علمية ومعرفية.
إلى أي حد تؤثر نظرة المجتمع للنجاح والفشل في تشكيل سلوك التلاميذ تجاه الامتحانات؟
الخوف الذي يتملك الأسرة من الفشل في الامتحانات أو حتى النجاح بمعدلات غير مقبولة هو ما يعطي للمجتمع بناء تصوراته حول هذه العائلة أو مستواها التربوي، فعندما يفشل التلميذ لا تقابل العائلة ذلك الفشل بالرضى أو التسليم أن ذلك هو الواقع الذي يجب تقبله ومحاولة إصلاحه بالطرق العقلانية والاجتماعية لا بالضرب والتجريح والانتقاص من شخصية التلميذ، لأننا بذلك نربي جيلا انتقاميا وعدوانيا يخرج مكوناته النفسية التي اختزلها في سنوات صغره بسبب سوء التربية الأسرية وسوء التعامل مع المستجدات والمتغيرات، إن الكثير من التلاميذ تحولوا إلى مشروع قنبلة موقوتة لا نعرف زمن انفجارها، والسبب نظرة الاحتقار من المجتمع للتلميذ الفاشل في دراسته، ونظرته للطالب المتفوق من جهة أخرى فهو يرى الفاشل مجرما مستقبليا، أما المتفوق فهو صنيعة والدين حريصين متمكنين في التربية والتعليم، وهذه الأحكام منتشرة في مجتمعنا ولا يسعنا المجال لذكر كل مكنوناتها.
كيف تؤثر المقارنات الاجتماعية بين التلاميذ، سواء داخل الأسرة أو المدرسة، على أدائهم؟
مرة أخرى أقول للأسف الشديد المقارنات الاجتماعية باتت نوعا من الموضة الحديثة التي تعبر عن الطبقية التي تجتاح المجتمع، فمن يملك المال يتمكن من تقديم أفضل المعطيات العلمية والتربوية لأبنائه من مدرسين خصوصيين، حواسيب متطورة وهواتف ذكية وغيرها، أما الطبقة المتوسطة أو المسحوقة فهي لا تملك إلا قوت يومها أو ما يسد به الرمق، بل قد تعجز الكثير من العائلات على توفير أبسط شروط التمدرس العادي مثل الكراريس والألبسة المتواضعة التي لا يملكون ثمناً لها، ومن هنا تبدأ رحلة المعاناة بسبب عقد تلك المقارنات الاجتماعية القائمة داخل الأسرة من جهة وفي الوسط الاجتماعي من جهة أخرى، فلا الأسرة تمتلك آليات مواجهة هذا النوع من التنمر الاجتماعي، ولا المجتمع يمتلك الرحمة ليقول هذا هو الحال وكل ميسر لما خلق له، نحن نعيش أزمة أخلاقية حادة والسبب الأساس في كل هذا هو الاحتقار والانتقاص من قدر بعضنا البعض،والابتعاد عن تعاليم ديننا الحنيف التي توصينا بأن يرحم بعضنا البعض وأن يعطف بعضنا على بعض.
ما أبرز التحولات الاجتماعية التي طرأت على طريقة تعامل المجتمع مع الامتحانات في السنوات الأخيرة؟
التحولات أصبحت ظاهرة للعيان ولا مجال لنكرانها لأنها أصبحت وصمة عار في جبين الكثير من العائلات، وليس هذا الحكم بالقاسي بل هو ما نراه واقعا، فالمجتمع أصبح يعيش حالة استنفار قصوى كلما اقتربت مرحلة الامتحانات، الكل مهتم بموعد الامتحانات وجدول الامتحانات، لا حديث في الشارع والإعلام والعائلة إلا عن الامتحانات، المجتمع يعيش حالة النفير وكأنها حرب مفتوحة على كل الجبهات، عائلات تجند عدتها المالية والاستراتيجية والنفسية والترهيبية، مع دخول لغة الحرمان إلى قاموس التعامل مع من يفكر حتى الفشل، لن تحصل على كذا ولا كذا ولا كذا إذا فشلت في الامتحان، بالمقابل هناك لغة الإغراء خاصة لميسوري الحال، إذا نجحت ستذهب للبلد الفلاني وستحصل على الهاتف الفلاني والحاسوب الفلاني… وزد على هذه المتغيرات لغة التهديد والوعيد والحرمان التي أصبحت سمة لدى بعض العائلات التي حولت التلاميذ إلى أجساد منهكة وتعيسة فلا هي سعيدة بما تفعله الأسرة معهم ولا هي سعيدة بالبرنامج المكثف الذي أنهك عقولهم وعقول عائلاتهم، هذه هي المتغيرات بعيدا عن أي قراءات أخرى.
في رأيكم، كيف يمكن تغيير مفهوم الامتحان وما هي الآليات الاجتماعية الكفيلة بتخفيف الضغط على التلاميذ؟
من أسوء الذكريات التي ما زلت أحتفظ بها في مخيلتي رغم مرور سنين عديدة منذ ثمانينيات القرن الماضي كلمة كانت تكتب في السبورة وكان التلاميذ يقرؤونها كلما اقتربت موعد الامتحان، كانت كلمة مستفزة وقاسية وغير أخلاقية، كلمة ولدت الكره للدراسة والمدرسة وحتى العائلة، جعلت الكثير من التلاميذ فاشلين حتى قبل موعد الامتحانات، إنها كلمة “في الامتحان يكرم المرء أو يهان”، فمنذ متى كان العلم مصدرا للإهانة سلب عقول الناس منذ متى أصبح هذا الشعار معياراً لدى بعض الأساتذة والمعلمين لمرحلة التقييم المعرفي والشخصي والسلوكي للتلاميذ، منذ متى تحول العلم من منظومة لحفظ العقول إلى منظومة تهدم القيم على الأقل في نظر أشباه المعلمين أو الذين لا علاقة لهم بأخلاقيات الممارسة العلمية التربوية، لذلك يجب على المدرسة والمعلمين والإعلام والعائلة والمجتمع أن يكونوا يداً واحدة لتخفيف العبء على التلاميذ وعدم الضغط عليهم وتدمير نفسياتهم وهذا من خلال التعامل مع الامتحانات كعملية تربوية تقييمية وتقويمية وفقط وعدم تحويلها إلى قضية رأي عام تتدخل فيها وسائل الإعلام الحديثة والتقليدية لما نراه اليوم من تهويل وتضخيم حتى أصبحت الامتحانات كابوساً لا مجرد عمل تربوي عادي، كذلك يجب على الأسرة أن تخاف الله في أبنائها وأن توفر لهم أسباب النجاح ولعل أهمها تقوية صلاتهم مع أبنائهم وتقويم سلوكياتهم بما يتناسب وقدراتهم النفسية والعقلية، وتجنب الضغط المستمر عليهم، فبتوفير بيئة ملائمة يعطينا نتيجة مرضية لأبنائنا ومجتمعنا، ومن لا يرحم ضعف الأبناء وطراوة عقولهم فلن ننتظر منه إلا القسوة التي لن تولد لنا إلا جيلا مشوها اجتماعيا ونفسيا ومدرسيا
اجرت الحوار: اميرة عقون

























مناقشة حول هذا المقال