في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة التي تشهدها الجزائر، لاسيما الارتفاع المسجل في درجات الحرارة خلال الفترة الأخيرة، وما يرافقه من ارتفاع في مخاطر حرائق الغابات وتداعياتها على الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي، تبرز أهمية تعزيز الثقافة البيئية وترسيخ سلوكيات الوقاية والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، تؤكد السيدة مليكة بوطاوي،
رئيسة الجمعية الوطنية لترقية ثقافة البيئة والطاقات المتجددة وحمايتها، أن حماية البيئة لم تعد قضية مرتبطة بالنظافة والتحسيس فقط، وإنما أصبحت قضية اقتصادية واجتماعية وتنموية تتطلب تكامل جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الاقتصادي والمواطن.
وفي هذا الحوار، تتحدث السيدة مليكة بوطاوي عن أهداف الجمعية ومجالات تدخلها وبرامجها المتعلقة بحماية البيئة والاقتصاد الدائري وتثمين النفايات والطاقات المتجددة، كما تتطرق إلى مستوى الوعي البيئي لدى المواطن الجزائري، ودور المجتمع المدني في مواجهة التحديات البيئية، إلى جانب انعكاسات موجات الحرارة والجفاف على خطر اندلاع وانتشار حرائق الغابات، وأهمية إعادة تأهيل المناطق المتضررة بعد الحرائق، فضلاً عن توجيه رسالة إلى المواطنين حول ضرورة الالتزام بقواعد الوقاية والحفاظ على الغابات.
بدايةً، السيدة مليكة بوطاوي، نود أن نتعرف أكثر على الجمعية الوطنية لترقية ثقافة البيئة والطاقات المتجددة وحمايتها، متى تأسست الجمعية وما هي أبرز الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها؟
جمعيتنا هي جمعية وطنية لترقية ثقافة البيئة والطاقات المتجددة وحمايتها، تأسست في 08 فيفري 2019 واعتمدت في 09 سبتمبر 2019 جاءت من إيماننا بأن حماية البيئة مسؤولية جماعية، وأن المجتمع المدني له دور أساسي في مرافقة جهود الدولة ونشر الثقافة البيئية بين المواطنين، ومنذ انطلاق نشاطنا، كان هدفنا أن نجعل من البيئة ثقافة وسلوكاً يومياً، وليس مجرد حملات مناسباتية.
ومن وجهة نظرنا، حماية البيئة لا يمكن أن تتحقق بالقوانين والإجراءات وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى مواطن واعٍ، ومجتمع مدني فعال، ومؤسسات اقتصادية تتحمل مسؤوليتها، لذلك نسعى إلى نشر الثقافة البيئية، وتشجيع العمل التطوعي، ودعم المبادرات الخضراء، وترقية الاقتصاد الدائري وتثمين النفايات والطاقات المتجددة.
ما هي أهم المجالات التي تركز عليها الجمعية في نشاطها، وهل يقتصر عملها على التحسيس البيئي أم يمتد إلى مجالات أخرى؟
لا، عملنا لا يقتصر على التحسيس، رغم أن التحسيس يبقى أساسياً، نحن نشتغل على عدة محاور، منها حماية البيئة والتنوع البيولوجي، والنظافة والمحافظة على الشواطئ والغابات، وتثمين النفايات وإعادة تدويرها، والاقتصاد الدائري، والطاقات المتجددة، وترشيد استهلاك الطاقة، وتشجيع المقاولة الخضراء.
كما نولي أهمية خاصة للشباب والمرأة، لأننا نؤمن أن الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر يحتاج إلى طاقات بشرية جديدة وإلى تكوين ومرافقة ومشاريع قابلة للتجسيد.
ما هي أهم البرامج والمشاريع التي تعمل الجمعية على تجسيدها حالياً؟
لدينا عدة مبادرات وبرامج، من بينها الحملات التحسيسية والميدانية، وحملات تنظيف الشواطئ، والعمل على تثمين النفايات وتشجيع إعادة التدوير، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالاقتصاد الدائري.
ومن التجارب التي نولي لها اهتماماً تثمين بعض النفايات العضوية، ومنها مخلفات الحمضيات، وتحويلها من نفايات إلى مادة يمكن أن تكون لها قيمة اقتصادية.
كما شاركنا في مبادرات وطنية مرتبطة بتثمين جلود الأضاحي، ونعمل على نشر ثقافة المقاولة الخضراء.
ونحن نريد أن ننتقل من مرحلة «النفايات مشكلة» إلى مرحلة «النفايات مورد اقتصادي».
برأيكم، إلى أي مدى أصبح المجتمع الجزائري اليوم أكثر وعياً بالقضايا البيئية مقارنة بالسنوات الماضية؟
أرى أن هناك تطوراً ملحوظاً في الوعي البيئي، خاصة لدى الشباب، المواطن أصبح أكثر اهتماماً بموضوع النفايات، والبلاستيك، ونظافة الأحياء والشواطئ، والتغيرات المناخية والطاقات المتجددة، لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من الوعي إلى السلوك.
قد يكون المواطن مقتنعاً بأن رمي النفايات في الغابة خطأ، لكن المطلوب أن يتحول هذا الاقتناع إلى مم
ارسة يومية. وهنا أعتقد أن المدرسة والأسرة والإعلام والمسجد والمجتمع المدني والمؤسسات كلها مطالبة بأن تساهم في بناء هذا السلوك.
ما الدور الذي يمكن أن يؤديه المجتمع المدني في مواجهة التحديات البيئية التي تعرفها الجزائر؟
المجتمع المدني لديه دور مهم جداً، لأنه قريب من المواطن وموجود في الميدان، لكنني أريد أن أؤكد على نقطة مهمة: الجمعيات لا تنافس الدولة، وإنما هي شريك لها.
نحن نثمّن الجهود التي تقوم بها الدولة والقطاعات المعنية بحماية البيئة، ونرى أن دورنا هو المرافقة والتحسيس واقتراح المبادرات والوصول إلى المواطن وتنظيم العمل التطوعي، وعندما تتكامل جهود الدولة مع المجتمع المدني والقطاع الاقتصادي والمواطن، نستطيع أن نحقق نتائج أكبر بكثير.
هل تعتقدون أن الانتقال نحو الطاقات المتجددة يمكن أن يكون له أثر مباشر في حماية البيئة والحد من الانبعاثات والتلوث؟
بالتأكيد، والانتقال الطاقوي في رأيي لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح توجهاً استراتيجياً للمستقبل، والجزائر لديها إمكانيات كبيرة جداً، خاصة في مجال الطاقة الشمسية، وهذا يمكن أن يجعل من الانتقال الطاقوي فرصة بيئية واقتصادية في الوقت نفسه.
فالطاقات المتجددة لا تعني فقط تقليل التأثيرات البيئية، وإنما تعني أيضاً خلق استثمارات جديدة، ومهن جديدة، ومؤسسات ناشئة، ووظائف خضراء.
ولهذا نحن كجمعية ندعم جهود الدولة في هذا المجال، ونرى ضرورة مواصلة التحسيس والتكوين وتشجيع المواطن والمؤسسات على تبني الحلول الطاقوية النظيفة.
هل تعمل الجمعية على تقديم توجيهات أو حملات تحسيسية للمواطنين حول كيفية ترشيد استهلاك الطاقة والاستفادة من الطاقات النظيفة؟
نعم، ونعتبر أن ترشيد الطاقة يبدأ من سلوك بسيط داخل المنزل والمؤسسة والإدارة.
نحن نحاول أن نشرح للمواطن أن الاقتصاد في الطاقة لا يعني الحرمان، وإنما يعني الاستهلاك العقلاني، مثل عدم ترك الأجهزة تعمل دون حاجة، واستعمال التجهيزات ذات الكفاءة الطاقوية، والاستفادة من الإنارة الطبيعية، والتعريف بإمكانيات الطاقة الشمسية.
وأرى أن المواطن عندما يفهم العلاقة بين سلوكه اليومي وبين البيئة والاقتصاد الوطني، يصبح شريكاً حقيقياً في الانتقال الطاقوي.
هذه السنة عرفت الجزائر فترات من الحرارة المرتفعة، كيف تقرؤون هذه الظاهرة من منظور بيئي؟
ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر ظاهرة تستحق منا الكثير من الاهتمام، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، لكن من المهم أن نتعامل مع الموضوع بوعي علمي، فلا نربط كل موجة حر منفردة بعامل واحد، وإنما ننظر إلى الاتجاهات المناخية على المدى الطويل.
ومن وجهة نظرنا كجمعية، هذه الظروف تفرض علينا تعزيز ثقافة التكيف مع التغير المناخي، وحماية الغطاء النباتي، وترشيد استهلاك المياه، وتوسيع المساحات الخضراء، وتعزيز الوقاية من حرائق الغابات.
هل يمكن الربط بين موجات الحرارة المتكررة والجفاف وارتفاع خطر اندلاع وانتشار حرائق الغابات؟
نعم، الحرارة المرتفعة والجفاف يؤديان إلى جفاف الغطاء النباتي، وبالتالي يصبح أكثر قابلية للاشتعال، وتزداد سرعة انتشار الحرائق، خاصة مع الرياح، لكن يجب ألا ننسى العامل البشري فكثير من الحرائق يمكن الوقاية منها إذا التزم المواطن بقواعد السلامة وهنا رسالتنا واضحة الوقاية أرخص وأسهل بكثير من إعادة بناء ما دمره الحريق.
لذلك يجب تعزيز ثقافة التبليغ المبكر، وعدم إشعال النار في الغابات، وعدم رمي أعقاب السجائر أو النفايات القابلة للاشتعال.
هل إعادة التشجير بعد الحرائق كافية لاستعادة النظام البيئي المتضرر؟
إعادة التشجير مهمة جداً، لكنها وحدها لا تكفي، الغابة ليست مجموعة أشجار فقط؛ إنها نظام بيئي متكامل يضم التربة والمياه والحيوانات والنباتات والتنوع البيولوجي، لذلك نحن بحاجة إلى خطة متكاملة تبدأ بتقييم الأضرار، وحماية التربة من الانجراف، ومتابعة قدرة الطبيعة على التجدد، ثم اختيار الأنواع المناسبة للمنطقة عند الحاجة إلى التشجير.
وأنا شخصياً أرى أن النجاح لا يقاس بعدد الأشجار التي زرعناها في يوم واحد، وإنما بعدد الأشجار التي بقيت ونمت بعد سنوات.
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الجمعيات البيئية في مرحلة ما بعد الحرائق؟
للجمعيات دور مهم، خاصة في التحسيس والمرافقة وتنظيم المتطوعين والمساهمة في حملات إعادة التشجير بالتنسيق م

ع الجهات المختصة، لكننا نؤكد دائماً أن عمليات إعادة تأهيل الغابات يجب أن تتم وفق دراسات وتوجيهات تقنية، لأن اختيار مكان التشجير ونوع الأشجار وطريقة المتابعة أمور علمية وليست مجرد عمل رمزي.
نحن نريد أن نرسخ ثقافة جديدة: ليس المهم أن نزرع شجرة أمام الكاميرات، وإنما أن نعود إليها بعد سنة وسنتين وثلاث سنوات ونضمن أنها ما زالت حية.
ما الرسالة التي توجهونها للمواطن الجزائري، خاصة خلال فترات الحرارة الشديدة؟
رسالتي إلى المواطن الجزائري هي: الغابة أمانة وليست ملكاً لجيل واحد، أطلب من الجميع توخي الحذر، وعدم إشعال النار في الأماكن الغابية، وعدم رمي أعقاب السجائر أو النفايات القابلة للاشتعال، وعدم القيام بأي نشاط يمكن أن يتسبب
في اندلاع حريق.
وإذا لاحظ المواطن دخاناً أو بداية حريق، فإن سرعة التبليغ يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً، وأقول للمواطن أيضاً لا تنتظر دائماً أن تأتي الدولة لتقوم بكل شيء. الدولة تقوم بدورها، والحماية المدنية والغابات ومختلف القطاعات تقوم بواجباتها، لكن المواطن أيضاً له دور.
نحن نريد مواطناً شريكاً في حماية بيئته، وليس مواطناً ينتظر فقط من يحميها.
وفي الأخير، أقول إن الجزائر تملك إمكانيات كبيرة لتكون نموذجاً في حماية البيئة والاقتصاد الأخضر والانتقال الطاقوي. وما نحتاجه هو أن تتكامل جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الاقتصادي والمواطن.
حماية البيئة ليست ترفاً، وليست شعاراً موسمياً إنها استثمار في صحة المواطن، وفي اقتصادنا، وفي مستقبل أبنائنا.
حاورتها نزيهة سعودي
















مناقشة حول هذا المقال