تتجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم إلى لعب دور محوري في تحديث الإدارة العمومية، باعتبارها من أبرز الأدوات القادرة على تسريع المعاملات الإدارية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، إلى جانب دعم فعالية التسيير وتطوير الأداء
الإداري بمختلف قطاعاته.
وفي هذا الإطار، نظمت الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات بالتنسيق مع المدرسة الوطنية للادارة، اليوم
محاضرة علمية بعنوان “حوكمة الذكاء الاصطناعي للإدارة العمومية وتطوير التكنولوجيا”.
أشرف على انطلاق المحاضرة العلمية مدير المدرسة الوطنية للادارة الاستاذ عبد المليك مزهوده ، لتقدم عقب ذلك
الاستاذة حبيبة زرقاوي درياس محاضرة علمية ناقشت فيه الأبعاد الاستراتيجية لهذه التكنولوجيا الحديثة، واستشراف آفاقها المستقبلية، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من تحديات وفرص على مستوى الحوكمة والتسيير العمومي.
كما قدمت الاستاذة مزايا الذكاء الاصطناعي وفوائده، قبل التطرق إلى المخاطر المرتبطة به، والتي اعتبرتها كثيرة ومتنوعة، لتنتقل بعدها إلى شرح مفهوم حوكمة الذكاء الاصطناعي وآليات تنظيمه وضبط استخدامه.
كما استعرضت خلال مداخلتها تجارب وهيئات دولية تهتم بهذا المجال، مؤكدة أن موضوع حوكمة الذكاء الاصطناعي يُعد من القضايا الحديثة المطروحة عالميًا، وأن الجزائر تُعتبر من أوائل الدول الإفريقية التي بدأت تطرح هذا النقاش بشكل فعلي، خاصة في ما يتعلق بحوكمة الرقمنة والمعلومة والخوارزميات.
وفي تصريحه للصحافة، عقب المحاضرة،أكد رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، محمد هشام قارة، أن المحاضرة التي قدمتها الأستاذة حبيبة، تندرج ضمن سلسلة المحاضرات العلمية التي تنظمها الأكاديمية حول مختلف المواضيع المرتبطة بالتنمية الوطنية.
وأوضح أن اختيار موضوع الذكاء الاصطناعي وحوكمة الإدارة يأتي انسجامًا مع التوجهات الوطنية التي يوليها رئيس الجمهورية أهمية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بعصرنة الإدارة العمومية وتسهيل الإجراءات الإدارية للمواطنين.
وأشار إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من شأنه المساهمة في تحسين الأداء الإداري والقضاء على البيروقراطية، من خلال توظيف التكنولوجيات الحديثة في مختلف القطاعات، بما يضمن فعالية أكبر في تقديم الخدمات وتطوير أساليب التسيير الحديثة.
بدوره أكد المدير العام للمدرسة الوطنية للإدارة، عبد الملك مزهوده، أن هذه الفعالية تندرج في إطار حرص المدرسة على مواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الإدارة بصفة عامة والإدارة العمومية بصفة خاصة، في ظل التحولات التكنولوجية المتلاحقة التي فرضها الذكاء الاصطناعي على مختلف المؤسسات.
وأوضح أن العالم يعيش اليوم ما وصفه بـ”الطوفان الجارف” للذكاء الاصطناعي، وهي تكنولوجيا تحمل في طياتها العديد من الفرص التي يمكن أن تساهم في الارتقاء بالإدارة العمومية وتحسين أدائها، غير أنها في المقابل تطرح جملة من التحديات والمخاطر التي قد تكون لها انعكاسات سلبية على المجتمع والدولة والاقتصاد الوطني إذا لم يتم تأطيرها بالشكل الصحيح.
وأشار إلى أن المدرسة الوطنية للإدارة رحبت منذ البداية بتنظيم هذه المحاضرة، خاصة وأنها تندرج ضمن برنامج أوسع تعمل المؤسسة على تجسيده من خلال تنظيم لقاءات ومحاضرات دورية حول الذكاء الاصطناعي واستخداماته المختلفة. وأضاف أن المدرسة سبق وأن نظمت، منذ أشهر، محاضرات لفائدة الأساتذة والمكونين حول كيفية استعمال الذكاء الاصطناعي وتأطير استخدامه، مع التركيز على انعكاساته السلبية المحتملة على العملية التكوينية.
وبيّن أن الذكاء الاصطناعي، ورغم مساهمته في تسهيل البحث العلمي وتطوير أساليب التعلم بالنسبة للطلبة والمتكونين، إلا أنه قد يؤثر سلبًا على تنمية القدرات الذهنية والتحليلية إذا تم الاعتماد عليه بشكل مفرط، وهو ما دفع المدرسة إلى الاهتمام أكثر بطرق الاستفادة منه بشكل متوازن ومدروس.
كما كشف أن المؤسسة تعمل حاليًا على إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن البرامج الدراسية ومسارات التكوين، سواء من حيث تعلم كيفية استخدامه في العملية التكوينية أو توظيفه داخل الإدارات العمومية الحديثة. وأكد أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التكوين لم يعد خيارًا مطروحًا للنقاش، بل أصبح ضرورة حتمية تفرضها متطلبات الواقع المهني، خاصة وأن خريجي المدرسة سيلتحقون بإدارات تعتمد بشكل متزايد على هذه التقنيات.
وأضاف أن المدرسة تسعى إلى تمكين الطلبة من اكتساب المهارات الأساسية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بداية من استخدام أدوات البحث الذكية والتعرف على مختلف تطبيقاته، وصولًا إلى القدرة على تطوير آليات تساعدهم في أداء مهامهم اليومية والمساهمة في دعم عملية اتخاذ القرار داخل الإدارة.
وختم بالتأكيد على أن المدرسة الوطنية للإدارة تشترك مع الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات في نفس الرؤية المتعلقة بضرورة تأطير استخدام الذكاء الاصطناعي والاستفادة من الخبرات الوطنية المتوفرة، من أجل وضع استراتيجيات تدريجية تضمن الاستخدام الأمثل لهذه التكنولوجيا، باعتبار أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي أصبح أمرًا لا مفر منه .
من جهتها أوضحت الأستاذة المحاضِرة وعضو الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات حبيبة زرقاوي درياس أن مداخلتها تمحورت حول موضوع “حوكمة الذكاء الاصطناعي”، بالنظر إلى الانتشار الواسع لهذه التكنولوجيا اليوم في مختلف القطاعات والمؤسسات والجامعات، مقابل غياب آليات واضحة لتنظيمها وتأطير استخدامها.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في كل مجالات الحياة، لأنه وُجد أساسًا لخدمة الإنسان وتحسين ظروفه وتسهيل الكثير من المهام اليومية والمهنية، غير أن هذا التطور السريع ترافقه أيضًا مخاطر متعددة يجهلها الكثير من المستخدمين.
كما شددت على أن الجزائر لا تزال في بداية الاهتمام بموضوع حوكمة الخوارزميات، رغم أهمية هذا الجانب في حماية المعطيات وضمان الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي.
كما وجهت رسالة تحسيسية دعت من خلالها إلى ضرورة فهم طريقة عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وعدم استخدامها بشكل عشوائي دون معرفة كيفية اشتغالها أو طبيعة البيانات التي تعتمد عليها.
وأوضحت أن الكثير من الأشخاص باتوا يستخدمون هذه التقنيات يوميًا دون إدراك للمخاطر المرتبطة بالخصوصية وحماية المعلومات الشخصية.
وأكدت في ختام حديثها أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يفرض على المجتمعات والمؤسسات التحرك مبكرًا لوضع آليات واضحة للحوكمة والتنظيم، بما يضمن الاستفادة من مزاياه وتقليل مخاطره على الأفراد والمجتمعات.
هدف هذا اللقاء العلمي إلى مناقشة السبل الكفيلة بصياغة خارطة طريق واضحة تضمن الاستغلال الأمثل لتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة داخل مؤسسات الإدارة العمومية، مع تقديم توصيات عملية من شأنها المساهمة في تطوير الأداء الإداري وتعزيز النجاعة في تقديم الخدمات.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال