تلعب المؤسسات غير الربحية دوراً محورياً في دعم التنمية المجتمعية والاقتصادية، من خلال مبادراتها الفكرية والتوعوية والتنموية التي تستهدف خدمة الصالح العام بعيداً عن منطق الربح المادي.
وتبرز أهمية هذه المؤسسات في قدرتها على تقديم رؤى بديلة ومقاربات مبتكرة تسهم في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز الوعي لدى مختلف الفاعلين، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو هيئات رسمية. كما تعمل هذه الفضاءات على بناء جسور التواصل بين الخبراء والمجتمع وصناع القرار، بما يدعم مسارات التنمية المستدامة ويواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وفي سياق وطني وإقليمي يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية وتزايد التحديات المرتبطة بإعادة هيكلة النماذج التنموية، تبرز مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة كمشروع فكري وعملي يسعى إلى الإسهام في بناء اقتصاد وطني أكثر وعياً ومرونة وقدرة على مواجهة التحديات، وفي الوقت نفسه أكثر استعداداً لاغتنام الفرص وصناعة المستقبل.
وبهذا الصدد خصت مديرة مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة، نسيمة شلاح، جريدة “عالم الأهداف”، بحوار حصري قدّمت فيه المتحدثة قراءة معمقة لتأسيس المؤسسة، وأهدافها، وأدوارها في مواكبة التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر، إضافة إلى تصورها لمستقبل الاقتصاد الوطني والتحديات المرتبطة به.
حيث أكدت مديرة المؤسسة أن تأسيس “مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة” جاء في سياق وطني وإقليمي يتسم بتحولات اقتصادية متسارعة وتحديات مركبة، وهو ما استدعى، حسبها، إنشاء فضاء يجمع بين الخبرة الأكاديمية والمعرفة الميدانية، وقد جاءت المبادرة، كما توضح، من نخبة متعددة التخصصات تضم أكاديميين وخبراء اقتصاديين وأساتذة جامعيين ومهنيين من عالم الأعمال، بهدف بناء منصة فكرية-عملية قادرة على قراءة التحولات الاقتصادية واستشرافها، وليس فقط التفاعل معها.
وتشير شلاح إلى أن المؤسسة لا تقدم نفسها كهيئة استشارية تقليدية، بل كمنصة ديناميكية لليقظة والاستشراف وصناعة المبادرات، تسعى إلى إنتاج أفكار قابلة للتجسيد، بما يساهم في تعزيز الأداء الاقتصادي وترسيخ مفهوم المواطنة الاقتصادية، حيث ترى أن الحاجة إلى مثل هذه الأطر أصبحت ملحة في ظل تعقّد البيئة الاقتصادية وتداخل العوامل المؤثرة فيها.
وفي حديثها عن الأهداف الأساسية للمؤسسة، أوضحت نسيمة شلاح أن الرؤية التي تقوم عليها ترتكز على مبدأ أساسي مفاده أن الاقتصاد لا ينفصل عن المجتمع، وأن التنمية الحقيقية تقوم على التوازن بين النجاعة الاقتصادية وترسيخ الوعي المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، تعمل المؤسسة على ترسيخ مفهوم اليقظة الاقتصادية كأداة استباقية لفهم التحولات واستشراف المخاطر والفرص، إلى جانب تعزيز ثقافة المواطنة الاقتصادية لدى الأفراد والمؤسسات باعتبارها رافعة للسلوك المسؤول والإنتاجية.
كما أبرزت المتحدثة أهمية بناء جسور فعالة بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية، معتبرة أن نقل المعرفة وتثمينها يشكل أحد التحديات الأساسية في السياق الاقتصادي الراهن. وتضيف أن المؤسسة تسعى كذلك إلى دعم صناع القرار من خلال تقديم قراءات تحليلية واقتراحات عملية مبنية على المعطيات، إضافة إلى مرافقة المبادرات الاقتصادية، خاصة تلك التي يقودها الشباب، وتحفيز روح المقاولاتية والابتكار.
وفي تقييمها لدور المؤسسة في مرافقة التحولات الاقتصادية في الجزائر، أشارت مديرة المؤسسة إلى أن الاقتصاد الوطني يعيش مرحلة انتقال تدريجي من نموذج ريعي إلى نموذج أكثر تنوعاً ومرونة، وهو ما يتطلب أدوات تحليل واستشراف أكثر تطوراً.
مشيرة إلى أن المؤسسة تعمل كـ”وسيط ذكي” بين المعرفة وصناعة القرار، من خلال قراءة التحولات الكبرى مثل الرقمنة، والتنويع الاقتصادي، والاقتصاد الأخضر، والمساهمة في النقاش العمومي عبر تنظيم ملتقيات وندوات تجمع بين التحليل النظري والمقاربة العملية.
كما اضافت إلى أن من بين الأدوار التي تطمح المؤسسة إلى تعزيزها، الدفع نحو اعتماد المقاربات الاستشرافية بدل الاكتفاء بردود الفعل الظرفية، وهو ما تعتبره شرطاً أساسياً لفهم التحولات الاقتصادية والتكيف معها.
وفيما يتعلق بالأنشطة الميدانية، وضحت لنا شلاح أن المؤسسة تنظم ندوات وطنية وورشات عمل حول قضايا راهنة مثل التحول الرقمي، الأمن الاقتصادي، وأنماط الاستهلاك، إلى جانب إطلاق مبادرات تحسيسية موجهة للمواطنين بهدف تعزيز السلوك الاقتصادي المسؤول، خاصة خلال المناسبات ذات الطابع الاستهلاكي.
كما تعمل المؤسسة على إعداد دراسات وتقارير تحليلية حول اختلالات السوق واقتراح حلول عملية، فضلاً عن بناء شراكات مع مؤسسات جامعية واقتصادية لخلق فضاءات مشتركة للإبداع والتطوير.
وفيما يتعلق بالشباب حاملي المشاريع، أكدت مديرة المؤسسة أن هذا الملف يمثل محوراً استراتيجياً في عملها، حيث لا يقتصر الدعم على المرافقة التقليدية، بل يشمل التأطير والتوجيه عبر ورشات تكوين في الفكر المقاولاتي، وربط الشباب بشبكات خبراء ومستثمرين، ومساعدتهم على فهم السوق وتفادي الأخطاء الشائعة، مع التركيز على ترسيخ ثقافة الابتكار بدل الاعتماد فقط على التمويل.
وبخصوص رؤيتها لمستقبل الاقتصاد الجزائري، فقد أشارت ذات المتحدثة أن هناك تفاؤلاً حذراً، معتبرة أن الجزائر تمتلك إمكانات كبيرة، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في كيفية تفعيلها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، مشيرة إلى أن أولويات المرحلة المقبلة تتمثل في تنويع الاقتصاد بعيداً عن المحروقات، وتعزيز التحول الرقمي، والاستثمار في رأس المال البشري، وتبسيط بيئة الأعمال، وترسيخ المواطنة الاقتصادية كعنصر أساسي للاستدامة والشفافية.
وفي ختام حديثها أكدت مديرة المؤسسة على أن المرحلة القادمة تتطلب انتقالاً من منطق إدارة الموارد إلى منطق صناعة الثروة، ومن اقتصاد رد الفعل إلى اقتصاد المبادرة والاستباق، معتبرة أن مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة تمثل مشروعاً فكرياً وعملياً يهدف إلى الإسهام في بناء اقتصاد وطني أكثر وعياً ومرونة وقدرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص.
وفي الختام، يمكن التأكيد على أن المؤسسات غير الربحية على غرار مؤسسة اليقظة الاقتصادية وترقية المواطنة تمثل رافعة أساسية للتنمية الشاملة، لما تقدمه من جهود فكرية وميدانية تسهم في ترسيخ الوعي وتعزيز ثقافة المشاركة والمسؤولية المجتمعية.
كما أن دورها لا يقتصر على التشخيص والتحليل، بل يمتد إلى اقتراح الحلول ومرافقة التحولات، مما يجعلها شريكاً مهماً في بناء مجتمع أكثر توازناً ووعياً وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية. ومن هذا المنطلق، تظل هذه المؤسسات فضاءً حيوياً لتجسيد قيم المواطنة الفاعلة وخدمة المصلحة العام.
بوزيان بلقيس



























مناقشة حول هذا المقال