حث الإسلام على طلب العلم، وكان أول أمر إلهي نزل على رسولنا الكريم هو ” اقرأ”، فجعله واجب على كل مسلم، وكرم الاسلام العلم والعلماء وجعل لهم مكانة كبيرة، ” إنما يخشى الله من عباده العلماء”، لكن أمة اقرأ لم تعد تقرأ.
لماذا نقص المقروئية؟
بل أصبحنا نلاحظ إحجام عن القراءة، إذ ترى البعض لا يعطي أهمية للقراءة ودورها في الوعي الثقافي للفرد والمجتمع، ويفضلون الوسائل التكنولوجية الحديثة او الانسياق مع أهواء النفس أو البحث عن وسائل الترويح على أن يقتني كتابا، والبعض الآخر يفضل ملأ الفراغ بأن يستمع للأغاني أو تبادل النكات على أن يحفظ حكمة أو بيتا من الشعر أو يثقف نفسه بشتى المعارف التي من شأنها أن تسمح له بإبداء الآراء والأفكار أثناء النقاش.
هذا الأمر يدعوا للتساؤل لماذا باتت أمة اقرأ في هذه الوضعية؟ وما هي الأسباب وراء ذلك والامتناع عن الامتثال للأمر الإلهي الذي فرض علينا؟ وهل مجالسة الكتب بات أمرا ثقيلا على البعض الى هذه الدرجة ؟!
في الدول المتطورة للقراءة شأن آخر
يوجد اختلاف بين الدول المتقدمة وغيرها من الدول بخصوص تقاليد وثقافة القراءة، ففي الدول المتطورة للقراءة شأن آخر، وهذا ما لاحظته خلال زيارتي الميدانية لعدة عواصم أوروبية، من بينها لندن وبرلين، فتجد الناس تقرأ في كل مكان في وسائل النقل العمومية تجد الكثير يطالعون رواية أو كتابا أو مجلة، فالقراءة عندهم بمثابة حياة ثانية، فضلا عن كونها متعة وترفيه عقلي ووجداني، بدليل فتح الكتب على مقعد الانتظار، لاستراق بعض الأسطر أو الفقرات عوض خسارة دقائق للحديث في أمور لا فائدة منها، مفارقات تطرح تساؤلات حول هذه الاختلالات وكيف تسربت الى كياننا الاجتماعي والثقافي وكيف السبيل للمعالجة ؟
المقروئية في الجزائر
كشف تحقيق ميداني بمناسبة تنظيم المعرض الدولي للكتاب بالجزائر سنة 2017، أن نسبة المقروئية لا تتعدى 6.8 بالمئة، وهو رقم ضعيف يختصر ظاهرة العزوف عن القراءة في المجتمع، وحسب ذات الاحصائيات تقدر نسبة الجزائريين الذين لا يمارسون فعل القراءة كليا، بنحو 56.86 بالمئة، أي ما يفوق نصف المجتمع، وهو عدد ضخم يدعو إلى تحريك السواكن في بلد اشتهر بإنجابه كوكبة من العلماء والمفكرين، وتعكس هذه الأرقام وجود أزمة مقروئية في الجزائر، مثلما تدل على غياب التواصل بين المواطن الجزائري والإنتاج الفكري، وتشير البيانات أن الكتب الدينية هي الأكثر رواجا في الجزائر بواقع 16 بالمئة، تليها كتب الإعلام الآلي والاقتصاد بنسبة 9 بالمئة، متبوعة بالكتب القانونية بنحو 8 بالمئة، ويفضل عموم القراء في الجزائر استخدام اللغة العربية بنسبة 51 بالمئة، فيما يوظف آخرون اللغة الفرنسية بـ35.2 بالمئة، بينما لا يتجاوز عدد المستعملين للغة الإنجليزية حدود 3.5 بالمئة، كما أن 45.1 بالمئة من الجزائريين يداومون على قراءة الصحف، في حين لا يقرأ 9.1 بالمئة الجرائد كليا.
ضرورة مشروع ثقافي وطني
حسب المختصين يرجع هذا الوضع المثير للتساؤل عن المقروئية إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، بينما يحمل البعض المسؤولية إلى القائمين على الثقافة والإعلام والنشر، ويرى هؤلاء أن انخفاض نسبة المقروئية يعود لظهور وسائط عديدة نافست الكتاب، سيما منها الأنترنت ناهيك عن انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، ومحدودية النشر والتوزيع، ويكاد يكون ذات الوضع بالنسبة لبعض البلدان العربية والإسلامية، فحسب أحد الاستطلاعات فإن القارئ العربي يطالع ما معدله 18 صفحة في السنة، في حين يطالع القارئ الأوروبي 23 كتابا سنويا، ويدعوا الخبراء والمختصين إلى ضرورة وضع مشروع ثقافي وطني، وعملية تحول المجتمع من وضع إلى آخر لا يتم عن طريق المعالجة الجزئية والظرفية، إنما من خلال تغيير المفاهيم السائدة ونظرة المجتمع للكتاب والعمل الفكري وكذلك المنظومة التربوية والسياسة الثقافية في المجتمع. و الارتقاء بالمقروئية لن يتم إلا عبر عدة عوامل منها لا تخص الكتاب في حد ذاته بل تشمل المنظومة الاجتماعية والثقافية برمتها منها الاهتمام بالكتاب ووضع سياسة محكمة بهذا الشأن تأخذ بالاعتبار انتاجه وتسويقه وتوزيعه واستيراده وكذا فضاءاته والمعارض والأنشطة الثقافية والبرامج الدراسية بما يساهم في إعادة إحياء الثقافة بشكل عام في الجزائر.
كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال