أعادت موجة حرائق الغابات التي شهدتها عدة ولايات شرقية في البلاد خلال هذا الصيف، طرح أسئلة تتجاوز الأسباب المناخية والبيئية، خصوصا مع مباشرة المصالح المختصة تحقيقات لتحديد أسباب اندلاع عدد من الحرائق، وكانت السلطات الجزائرية قد أعلنت خلال الأشهر الماضية عن معالجة قضايا مرتبطة بحرائق الغابات وتوقيف متهمين في إطار التحقيقات القضائية.
وفي ظل هذا السياق، يطرح مفهوم «الحرب الهجينة» نفسه في النقاش حول طبيعة التهديدات غير التقليدية، ومدى إمكانية توظيف وسائل منخفضة الكلفة لإحداث اضطرابات وخسائر واسعة.
ولتسليط الضوء على هذه الأبعاد، قدم الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية أحمد ميزاب، ليومية عالم الأهداف قراءة في الدلالات الأمنية والجيوسياسية المحتملة لاستهداف الغابات بالحرائق، مع التأكيد على ضرورة انتظار نتائج التحقيقات وعدم الانتقال إلى استنتاجات نهائية قبل توفر الأدلة.
كيف تقرأون لجوء جهات خارجية إلى إشعال الحرائق كوسيلة للضغط على الجزائر؟
عندما نتحدث عن الحرائق في السياق الأمني والاستراتيجي، لا ينبغي حصر قراءتها في بعدها البيئي أو المناخي فقط، بل يجب وضعها ضمن التحولات التي شهدتها طبيعة الصراعات في العالم خلال العقود الأخيرة. فالكثير من الدول لم تعد تستهدف خصومها عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل من خلال أدوات أقل كلفة وأكثر صعوبة في الإثبات، وهو ما يعرف بالحرب الهجينة أو الحروب غير المتماثلة.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول الحرائق المفتعلة إلى وسيلة ضغط تستهدف استنزاف الدولة وإشغال مؤسساتها وإحداث خسائر اقتصادية واجتماعية واسعة، دون تحمل كلفة المواجهة التقليدية.
والجزائر، بحكم موقعها الجيوسياسي ودورها الإقليمي المتصاعد في الساحل وشمال إفريقيا والفضاء الإفريقي والمتوسطي، أصبحت فاعلا مؤثرا في العديد من الملفات الإقليمية. وبالتالي فإن أي جهة تسعى إلى إضعاف هذا الدور قد تبحث عن أدوات غير مباشرة لإرباك الداخل الجزائري وإشغال مؤسسات الدولة بقضايا داخلية طارئة.
لذلك فإن تكرار الحرائق أو تزامنها أو استهدافها لمناطق بعينها يفرض مقاربة أمنية موازية للمقاربة البيئية، دون القفز إلى استنتاجات نهائية قبل استكمال التحقيقات التقنية والقضائية والأمنية.
ما الأهداف الجيوسياسية والأمنية التي يمكن أن تسعى هذه الجهات إلى تحقيقها من خلال استهداف الجزائر بالحرائق؟
إذا افترضنا وجود أطراف خارجية تستثمر في هذا النوع من العمليات، فإن أهدافها قد تتجاوز مجرد إحداث خسائر مادية مباشرة.
فالهدف الأول يتمثل في استنزاف قدرات الدولة وإجبارها على توجيه موارد مالية وبشرية كبيرة نحو مواجهة الأزمات الداخلية، بدل توظيفها في أولويات التنمية أو الأمن الإقليمي.
والهدف الثاني يتعلق بمحاولة التأثير على الجبهة الداخلية من خلال نشر الشعور بالقلق وعدم اليقين وإثارة النقاشات الحادة حول قدرة المؤسسات على إدارة الأزمات. فالحرب الحديثة تستهدف في كثير من الأحيان معنويات المجتمع وثقته في مؤسساته بقدر ما تستهدف الإمكانات المادية للدولة.
أما الهدف الثالث فيرتبط بالمكانة الإقليمية للجزائر. فكلما كانت الدولة منشغلة بأزمات داخلية متكررة، تراجع هامش حركتها في الملفات الخارجية. ومن هنا يمكن النظر إلى بعض محاولات الاستنزاف باعتبارها جزءا من صراع النفوذ والتوازنات في منطقة الساحل وشمال إفريقيا، خاصة في ظل التحولات الأمنية الكبيرة التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
كما أن ضرب الغطاء الغابي والثروة الطبيعية يؤثر على الأمن البيئي والغذائي والمائي، وهي مجالات أصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الشامل، الذي لم يعد يقتصر على الجانب العسكري فقط.
لماذا يمكن أن تختار هذه الجهات الحرائق تحديدا كأداة ضمن أساليب الضغط والحرب الهجينة؟
الحرائق تعتبر من أكثر الأدوات ملاءمة لمنطق الحرب الهجينة لعدة أسباب، أولا، لأنها لا تحتاج إلى إمكانات ضخمة أو بنية عملياتية معقدة، إذ يمكن أن يؤدي فعل محدود في ظروف مناخية معينة إلى خسائر واسعة النطاق.
وثانيا، لأنها توفر للجهة المنفذة هامشا كبيرا من الإنكار، حيث يصبح من الصعب في كثير من الحالات التمييز بين الحريق الناتج عن عوامل طبيعية والحريق الناتج عن فعل متعمد.
إضافة إلى ذلك، فإن آثار الحرائق لا تقتصر على المنطقة التي اندلعت فيها فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والبيئة والصحة العامة والنشاط الفلاحي والسياحي وحتى الحالة النفسية للمجتمع. وهذا ما يجعلها أداة تحقق نتائج استراتيجية تفوق بكثير حجم الوسائل المستخدمة في تنفيذها.
كما أن الحرائق تحظى عادة بتغطية إعلامية واسعة، وهو ما يمنح الجهات المعادية فرصة لتضخيم آثارها إعلاميا واستغلالها ضمن حملات التضليل أو الحرب النفسية، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار الأخبار والصور.
إلى أي مدى يمكن اعتبار استهداف الغابات والمناطق المتضررة جزءا من مخطط يستهدف الأمن القومي الجزائري؟
في العقود الماضية، كان الأمن القومي يختزل غالبا في حماية الحدود والمؤسسات العسكرية، أما اليوم فقد توسع المفهوم ليشمل الأمن البيئي والغذائي والمائي والطاقوي والسيبراني. ومن هذا المنطلق، فإن الغابات لم تعد مجرد فضاءات طبيعية، بل أصبحت جزءا من منظومة الأمن الوطني.
الغابات تؤدي وظائف استراتيجية متعددة، فهي تساهم في حماية الموارد المائية والتوازن البيئي ومكافحة التصحر وحماية الأراضي الزراعية والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وعندما تتعرض هذه الثروة الوطنية للاستهداف المتعمد، فإن الأمر لا يتعلق فقط بخسارة أشجار أو مساحات خضراء، بل بخسائر تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للدولة.
ولهذا السبب تتجه العديد من الدول إلى إدراج الجرائم البيئية الكبرى ضمن التهديدات المرتبطة بالأمن القومي، خاصة عندما تتخذ طابعا منظما أو متكررا أو عندما تستهدف مناطق محددة ذات أهمية استراتيجية.
هل يرتبط اختيار توقيت ومناطق اندلاع الحرائق بأجندات أو حسابات جيوسياسية محددة؟
من الناحية المهنية والأمنية، يعتبر تحليل التوقيت والموقع من أهم عناصر التحقيق في أي حادث ذي طابع تخريبي محتمل.
فإذا ثبت وجود أفعال متعمدة، فإن اختيار التوقيت لا يكون عشوائيا في الغالب، والجهات التي تعتمد هذا النوع من الأساليب تبحث عادة عن الفترات التي تكون فيها درجات الحرارة مرتفعة والرياح قوية، لأن ذلك يضاعف حجم الخسائر ويصعب عمليات الإطفاء.
أما من حيث الموقع، فقد يتم التركيز على المناطق ذات الكثافة الغابية المرتفعة أو المناطق التي يصعب الوصول إليها بسرعة، أو المناطق ذات الأهمية الاقتصادية والبيئية الخاصة.
كما أن تزامن عدة حرائق في أوقات متقاربة أو في مناطق متباعدة قد يشكل مؤشرا يستدعي التحليل الأمني العميق لمعرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بأحداث معزولة أم بوجود نمط منظم.
لذلك فإن فهم دلالات التوقيت والجغرافيا لا يقل أهمية عن معرفة أسباب الحريق نفسها، لأنه يساعد على كشف الخلفيات والأهداف المحتملة لأي عمل تخريبي.
ما الأطراف أو القوى التي يمكن أن تكون مستفيدة من زعزعة الاستقرار الداخلي للجزائر عبر هذا النوع من العمليات؟
من الناحية النظرية، كل جهة تتضرر من استقرار الجزائر أو من تنامي دورها الإقليمي يمكن أن تستفيد من أي محاولة لإشغالها أو استنزافها.
ويشمل ذلك بعض شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تتضرر من الجهود الجزائرية في مكافحة التهريب والمخدرات والجريمة المنظمة. وقد سبق للخبير أحمد ميزاب أن تحدث في سياقات أخرى عن ارتباط الجريمة المنظمة العابرة للحدود بالتحديات الأمنية الإقليمية.
كما يمكن أن تستفيد بعض الجهات التي تسعى إلى إضعاف الدور الجزائري في محيطها الإقليمي أو الحد من قدرتها على التأثير في ملفات الساحل والأمن الإفريقي.
وهناك أيضا أطراف قد تراهن على خلق حالة ضغط داخلي من أجل التأثير على المواقف السيادية للجزائر أو على استقلالية قرارها السياسي.
ومع ذلك، فإن القراءة الجادة والمسؤولة تقتضي التمييز بين تحديد المستفيد المحتمل وبين تحديد المسؤول المباشر، لأن هذا الأخير يبقى رهين نتائج التحقيقات والأدلة المادية والقانونية.
كيف يمكن للجزائر إفشال هذه المخططات والحد من قدرة الجهات الخارجية على استخدام الحرائق كورقة ضغط؟
إفشال مثل هذه المخططات يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتكنولوجيا والوعي المجتمعي. فالوقاية تبقى أكثر فعالية من التدخل بعد وقوع الحوادث.
ولهذا فإن تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد الحرائق منذ بدايتها يمثل أولوية استراتيجية.
كما أن تعزيز التنسيق بين الجيش الوطني الشعبي والحماية المدنية والدرك الوطني والأمن الوطني ومصالح الغابات يسمح برفع سرعة الاستجابة وتقليص حجم الأضرار المحتملة.
ويضاف إلى ذلك تطوير القدرات الاستخباراتية المتعلقة برصد التهديدات غير التقليدية ومتابعة أي نشاط مشبوه قد يرتبط بجرائم الحرائق.
ولا يقل دور المواطنين أهمية عن دور المؤسسات، لأن التبليغ المبكر واليقظة المجتمعية يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من التهديدات.
وتعمل الجزائر بالفعل على تعزيز التنسيق والوقاية في مجال حرائق الغابات، حيث تضم اللجنة الوطنية لحماية الغابات لسنة 2026 ممثلين عن 14 قطاعا و13 مؤسسة وهيئة، كما تم تشكيل فرق تحقيق تضم الدرك الوطني وقطاع الغابات والحماية المدنية على مستوى الولايات.
ما الرسالة التي ينبغي أن توجهها الجزائر للجهات التي تحاول استغلال الحرائق للمساس بأمنها واستقرارها؟
الرسالة الأساسية يجب أن تكون أن الجزائر تنظر إلى أي استهداف متعمد للغابات أو للممتلكات أو للمواطنين باعتباره استهدافا مباشرا للأمن القومي والسيادة الوطنية.
كما يجب التأكيد على أن الدولة الجزائرية راكمت خبرة كبيرة في مواجهة مختلف أشكال التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وأنها تمتلك من الإمكانات البشرية والتقنية والمؤسساتية ما يسمح لها بإحباط أي محاولة للمساس باستقرارها.
كما أن التجارب أثبتت أن المجتمع الجزائري يمتلك قدرة كبيرة على التماسك والتضامن في مواجهة الأزمات، وهو ما يجعل رهانات الاستنزاف أو الفوضى محدودة النتائج.
لذلك فإن أي جهة تراهن على استخدام الحرائق أو غيرها من أدوات الحرب الهجينة لإضعاف الجزائر ستكتشف أن كلفة هذه المحاولات ستكون أكبر بكثير من المكاسب التي تتوقع تحقيقها.
تكشف القراءة الأمنية للحرائق عن تحول طبيعة التهديدات التي تواجه الدول، حيث لم يعد استهداف الاستقرار مرتبطا بالوسائل العسكرية التقليدية وحدها، بل أصبح من الممكن أن يمتد إلى البيئة والموارد الطبيعية والاقتصاد والجبهة الداخلية.
وبينما تظل الأسباب الفعلية لكل حريق مرتبطة بما تثبته التحقيقات التقنية والقضائية، فإن التعامل مع احتمال وجود أفعال متعمدة يقتضي، بحسب أحمد ميزاب، توسيع زاوية النظر إلى الحرائق وربطها بمفهوم الأمن القومي الشامل، دون إغفال العوامل المناخية والبيئية.
وتأتي هذه المقاربة في وقت باشرت فيه السلطات تحقيقات بشأن عدد من حرائق الغابات، وأعلنت عن توقيف متهمين في قضايا مرتبطة بإضرام النار في الأملاك الغابية.
ومن ثم، فإن مواجهة الحرائق لا تتوقف عند عمليات الإخماد، وإنما تمتد إلى الوقاية والرصد المبكر والتحقيق في الأسباب، وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات، وحماية الموارد الطبيعية باعتبارها جزءا من مقومات الأمن الوطني.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال