احتضنت المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام بجامعة الجزائر 3، يوم الاثنين 12 ماي الجاري،
أشغال الملتقى الوطني العلمي الأول الموسوم بـ: “تحولات الميديا الرقمية في عصر الحروب… نحو إعادة هندسة الجمهور: أطروحات فكرية واستشرافية”،
بحضور كوكبة من الأساتذة والباحثين المختصين في مجالات الإعلام والاتصال،
لمناقشة الرهانات الجديدة التي تفرضها البيئات الرقمية على الصحافة والمجتمع في زمن الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية.
جاء تنظيم هذا الملتقى في سياق أكاديمي وعلمي مواكب للتحولات العميقة التي تعرفها الميديا الرقمية،
خاصة في ظل تصاعد حدة الصراعات الإعلامية والمعلوماتية، حيث يهدف إلى تسليط الضوء على طبيعة هذه التحديات،
وطرح رؤى فكرية واستشرافية تسهم في بناء وعي إعلامي جديد يتماشى مع الواقع التكنولوجي المتسارع.
مراسم افتتاح رسمية وخطابات جامعة
افتُتحت فعاليات الملتقى في حدود الساعة العاشرة صباحًا بتلاوة آيات بيّنات من الذكر الحكيم،
لتتوالى بعدها الكلمات الرسمية، حيث قدّمت الدكتورة خرفية جودي، رئيسة الملتقى،
مداخلة افتتاحية دعت فيها إلى ضرورة تفعيل دور الصحافة الوطنية في التفاعل مع التحولات الرقمية،
تماشياً مع توجيهات وزير الاتصال السيد محمد مزيان، وفي إطار الاستراتيجية الإعلامية
التي يوجّه بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، والرامية إلى عصرنة قطاع الإعلام بمختلف مكوناته.
بدوره، ألقى الأستاذ الدكتور نسيم بوقطاية، مدير مخبر البحث في وسائل الإعلام والمشرف العام على الملتقى،
كلمة أكد فيها على الطابع الاستشرافي للملتقى، والذي يهدف إلى الاقتراب من مفهوم “صحافة الذكاء الاصطناعي”
وتحليل انعكاساتها على السلوك الاتصالي، من خلال البحث في قضايا الأمن السيبراني، وأخلاقيات الإعلام الرقمي،
ومخاطر التلاعب بالمعلومة.
الذكاء الاصطناعي ومخاطر التضليل
شهدت الجلسة الأولى مداخلات علمية عميقة، افتتحتها الدكتورة أمينة بكّار بمداخلة تحت عنوان: “السلطة المعرفية في زمن الحرب: صحافة الذكاء الاصطناعي ومواكبة الواقع”، تناولت فيها ظاهرة انتشار الأخبار الزائفة الناتجة عن تداخل أدوات الذكاء الاصطناعي مع العمل الصحفي، مؤكدة أن هذه التقنيات، رغم إيجابياتها، قد تتحوّل إلى أدوات تضليل عند غياب التحقق المهني، مما يفرض على الصحفيين توخي الحذر في تمرير المحتوى للجمهور.
أما المداخلة الثانية، فقد قدّمتها الباحثة وفاء ذبيحي، وكانت بعنوان: “النزاعات الفكرية في الميديا الجديدة: مظاهر النزاع وآليات المواجهة”، حيث أكدت على أن الإعلام بات سلاحاً فتاكاً في نشر الفتن والأخبار المفبركة، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها “فيسبوك”، التي وصفتها بأنها “أخطر ساحة لنشر الفكر المتطرف والإرهاب السيبراني”،
مشددة على أهمية التربية الإعلامية والعمل الجماعي لمواجهة هذه الظواهر.
تعزيز الأمن الفكري… مسؤولية جماعية
في مداخلة ثالثة، قدّم الدكتور محمد أمين بن شراد عرضاً بعنوان: “مواقع الشبكات الاجتماعية والأمن الفكري: المخاطر وآليات التصدي”، دعا من خلاله إلى تعزيز منظومة الأمن الفكري في المجتمع عبر تفعيل دور المؤسسات التربوية والاجتماعية، مثل المساجد والزوايا، إلى جانب إشراك الأسرة في النقاش وبناء ثقافة الوعي الرقمي، محذّراً من مخاطر التسرّع في نشر المعلومات دون تدقيق.
حروب إعلامية وصراعات رقمية
تميّزت الجلسة الثانية من الملتقى بمداخلات ذات بعد جيو-إعلامي، ركّزت على طبيعة الحروب الحديثة، حيث تم التطرق إلى موضوع “الميديا الرقمية في زمن الحروب: حروب المستقبل ونهاية الصراع التقليدي”، بالإضافة إلى دراسة تحليلية تحت عنوان: “الخوارزمية كأداة لتوجيه الرأي العام في حرب 7 أكتوبر: بحث في السياقات الجديدة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي”، والتي كشفت عن كيفية استغلال الخوارزميات لتوجيه المواقف الجماهيرية والتأثير على وعي المجتمعات خلال النزاعات.
وفي هذا السياق، شدد الأستاذ البروفيسور سالم عطية على ضرورة تكوين الصحفيين وطلبة الإعلام تكوينًا نوعيًا يراعي هذه التغيرات، داعيًا إلى استخدام العقل والوعي في التعامل مع المعلومات، وتجنّب تزييف الواقع، والعمل على بناء منظومة إعلامية تؤمن بالحقيقة وتخدم مصلحة المجتمع، خاصة فئة الشباب، الذين يُعدّون الأكثر عرضة للخطاب الإعلامي المتطرف والموجه.
توصيات ومقترحات مستقبلية
اختتمت فعاليات الملتقى بعدد من التوصيات أبرزها: ضرورة تحديث مناهج التعليم الإعلامي بما يتوافق
مع تطورات الذكاء الاصطناعي، تعزيز التربية الإعلامية داخل المؤسسات التربوية، التنسيق بين الجهات
الفاعلة للحد من الأخبار الزائفة، وتفعيل دور الإعلام العمومي في توعية المجتمع بخطورة الحروب السيبرانية.
ويُعد هذا الملتقى محطة أكاديمية وعلمية هامة في مسار تطوير الإعلام الجزائري، ولبنة جديدة في مساعي تعزيز الفهم العميق لرهانات العصر الرقمي، في وقت تتزايد فيه التحديات وتتشابك فيه أدوات الاتصال مع دوائر النفوذ السياسي والمعلوماتي.
معاد مرجانة

























مناقشة حول هذا المقال