الولايات المتحدة لا تتدخل في حل المشكل بل تتحكم في خيوط المشكلة، ثم بعد ذلك تسعى إلى تحقيق مصالحها القومية
في ظل التصعيد العسكري الذي عرفته منطقة الخليج، وما حمله من توترات سياسية وأمنية قد تنعكس سلبا على استقرار المنطقة، تتزايد التساؤلات حول أبعاد هذا الصراع وتداعياته المحتملة. ولتسليط الضوء على هذه التطورات، أجرينا هذا الحوار مع المحلل السياسي الجيلالي شقرون ، و هذا لتقديم قراءة تحليلية لخلفيات هذا التصعيد، وأهم تأثيراته إضافة إلى السيناريوهات المحتملة .
ماهي قراءتكم للتصعيد العسكري الجاري بمنطقة الخليج؟
قراءتي للتصعيد العسكري الجاري بمنطقة الخليج، هو في الحقيقة هجوم ثنائي ما بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ونتنياهو منذ مدة يحاول أن يدفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى هذه الحرب، وذلك خوفا من امتلاك إيران للصواريخ الباليستية وذات الرؤوس المتفجرة، وكذلك السلاح النووي.
وإسرائيل كانت تسعى دائما لأن تقضي على هذا الأمر، لأن الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كان حول هاتين المسألتين. يعني كان هناك اتفاق، لكن هاتين المسألتين كانتا الأساس في لب الإشكال والمشكل السياسي بين الدولتين.
ونتنياهو دفع بالولايات المتحدة، بترامب، وجره إلى هذه الحرب. وهذا التصعيد تصعيد خطير جدا، من شأنه أن يفجر المنطقة العربية، ليس فقط إيران، لوجود قواعد عسكرية في هذه الدول، خاصة الدول الخليجية، وحتى في العراق.
وكذلك قد ينتقل المشكل إلى سوريا، وبالدرجة الأولى إلى لبنان، حيث ما زالت إسرائيل تسعى لتجريد حزب الله من السلاح. وإسرائيل ترى أن حزب الله شيعي وأن إيران هي التي تدعمه دعما مباشرا بالأسلحة، وهذا يشكل عليها خطرا في المنطقة.
خاصة وأن لإسرائيل هدفا بعيد المدى وهو الهيمنة، وكذلك فيما يخص مسألة الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، وبالتالي فكرة إسرائيل الكبرى.
كما أن الدول الخليجية تأثرت تأثرا كبيرا بهذه الحرب، وستتأثر بها، باعتبار أن إيران ترى أن الدول الخليجية، مثل المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وحتى سلطنة عمان، حامية الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن سلطنة عمان تدخلت في تسوية هذا الملف بين الطرفين.
خاصة مع وجود قواعد أمريكية وحتى بريطانية في الكويت. ولذلك يبدو الأمر صعبا جدا، والحرب زادت في الاشتعال، وهذا ما يشكل خطرا كبيرا على المنظومة الدولية.
ما تأثير هذا التصعيد على أسواق الطاقة العالمية؟
بالنسبة لتأثير هذا التصعيد على أسواق الطاقة العالمية وعلاقته بمضيق هرمز، فاليوم البترول يعرف قفزة نوعية، حيث وصل إلى ثلاثة وثمانين دولارا، وهذا دليل على ارتفاع أسعار الطاقة في العالم وفي البورصة العالمية.
وهذا نظرا لتوقف بعض المصانع، خاصة في قطر، مثل مصنع الغاز الذي تم إيقافه، وأدى هذا إلى انعكاسات سلبية على دول الخليج، لأن الخليج العربي هو الشريان الاقتصادي للدول الخليجية.
والسفن المحملة بالطاقة تخرج عبر مضيق هرمز، لكن إيران تسعى الآن إلى غلقه، خاصة بعد أن قصفت بعض السفن الأمريكية، لذلك أصبحت تجارة النفط صعبة جدا، بل توقفت في بعض الأحيان.
ومن بين أهداف هذا الهجوم الثنائي كذلك السيطرة على منابع الطاقة، أي النفط والغاز والبترول، ونجد أن المشكل سوف يتفاقم اقتصاديا وتكون له انعكاسات على دول الخليج.
وقد قال هنري كيسنجر في كتابه “الدبلوماسية” إن الولايات المتحدة لا تتدخل في حل المشكل، بل تتحكم في خيوط المشكلة، ثم بعد ذلك تسعى إلى تحقيق مصالحها القومية.
وهذا هو المنطق الذي تسير به الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع نظرة ترامب وتفكيره. كما أن هناك تضاربا في التصريحات والقرارات بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
فإسرائيل تقول إنها تريد إسقاط النظام الإيراني، بينما الولايات المتحدة صرحت بأنها لا تريد إسقاط النظام، بل تريد الحد من الصواريخ الباليستية ومسألة تخصيب اليورانيوم وامتلاك إيران للسلاح النووي.
كما أن السعودية فكرت في بدائل لنقل النفط، حيث يمكن أن تخرج السفن عبر البحر الأحمر ثم تمر عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم مضيق جبل طارق.
كيف تقرأون نهاية هذه الازمة و ما هي السيناريوهات المحتملة ؟
بالنسبة للسيناريوهات المحتملة، فمن المؤكد أن دول الخليج سوف تتأثر. كما أن الولايات المتحدة والصهاينة يسعون إلى تغيير النظام في إيران، خاصة بعد مقتل خامنئي.
لكن الأمر انعكس عليهم، حيث خرجت الملايين من الإيرانيين بعد مقتل المرشد، مما يدل على أن التوقعات لم تكن دقيقة.
ومن بين الاحتمالات كذلك أن تعمل الولايات المتحدة على إقامة نظام ديمقراطي في إيران، لكنه لن يخلو من التوجه الشيعي، لأن التشيع في إيران عميق ومتجذر تاريخيا.
كما أن من السيناريوهات المحتملة أيضا إخضاع الخليج العربي بشكل مباشر، والسيطرة على منابع النفط، وكذلك السيطرة على العراق، وربما لبنان والقضاء على حزب الله.
وقد نرى كذلك إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في المشرق العربي، بما في ذلك دول الخليج، وهو ما يثير تخوفا كبيرا في المنطقة، خاصة و ان إسرائيل تريد ان تحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير و السيطرة على سوريا و لبنان ودول الخليج .
الجزائر من خلال بيان وزارة الخارجية دعت إلى ضبط النفس و اعلاء روح المسؤولية و تجنب تعريض المنطقة لمزيد من مظاهر انعدام الأمن و الاستقرار ، قراءتكم لموقف الجزائر من هذا التصعيد و مقاربتها في حل الازمات بالطرق السلمية و الديبلوماسية؟
الجزائر، من خلال بيان وزارة الخارجية، تسعى دائما إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين عن طريق الحوار والتفاهم.
وقد اعتبرت أن ما يحدث خرق للقوانين الدولية والأعراف الدولية، كما أن الجزائر، باعتبارها عضوا في الجامعة العربية، وقفت إلى جانب الدول العربية، وخاصة الدول الخليجية، لكنها في الوقت نفسه تدعو إلى الحلول الدبلوماسية والسلمية.
وتقوم السياسة الخارجية الجزائرية على عدة أنواع من الدبلوماسية، منها دبلوماسية الحوار، ودبلوماسية التفاهم، والدبلوماسية الإنسانية. وترى الجزائر أن الحلول السلمية هي الأفضل لإنهاء هذا الاعتداء، بما يحقق الاستقرار في المنطقة ويجنبها المزيد من التصعيد.
تبقى دائما الجزائر محافظة على سياستها الخارجية في معالجة القضايا و الازمات ، كما انها محافظة على موقفها دون التدخل في شؤون الدول كما يؤكد الدستور و الأعراف.
المشروع الأمريكي الصهيوني يهدف إلى الهيمنة و تفكيك المنطقة العربية ، في تصوركم كيف يمكن إعادة بناء و تشكيل المشروع العربي الإسلامي في ظل هشاشة و ضعف الجامعة العربية و منظمة التعاون الإسلامي ؟
طبعا، المشروع الأمريكي الصهيوني في سياقاته يهدف إلى الهيمنة وتفكيك المنطقة العربية. لماذا، لأنهم يعلمون أن العرب إذا اتحدوا فإنهم سوف يشكلون قوة وخطرا على أمريكا، وعلى الصهاينة بالدرجة الأولى.
وأمريكا حاليا، مع ترامب، تعمل على حماية إسرائيل، وقد قالها جهارا نهارا: نحن مع إسرائيل وسنحمي إسرائيل من أي خطر كان، سواء كان هذا الخطر عربيا أو غير ذلك. ولذلك تسعى إلى جعل المنطقة بؤرة توتر، وطبعا هذا يصب دائما في صالح إسرائيل.
كما أنه من المفروض أن يكون هناك مشروع عربي إسلامي، يقوم على وقوف الدول العربية والإسلامية وتوحدها في صف واحد لمواجهة هذا المشروع، الذي من شأنه أن يعمل على تفكيك البنى التحتية للمجتمع العربي.
وعندما أقول البنى التحتية، فإن المقصود بذلك التحكم في دواليب الاقتصاد والسياسة بشكل أكبر. ولذلك نجد أن الصراع العربي الإسرائيلي، وكذلك الصراع العربي الأمريكي، يقوم على نوع من التفاهم بين الصهاينة والأمريكيين.
كما أن هذه الحرب لها انعكاسات كذلك على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. ولذلك نجد أن هذا المشروع يعمل على تفتيت القوة العربية والإسلامية، وتسعى من خلاله الولايات المتحدة وإسرائيل إلى القضاء على أي تحرك عربي أو إسلامي.
وقد صرح ترامب بذلك بشكل واضح، وهو ما يعكس حالة من الاندفاع السياسي الكبير. ولذلك فإن هذا المشروع، كما أشرت، هو مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تتحدث عنه إسرائيل منذ سنوات، وتسعى إلى تحقيقه بالضغط على الدول العربية من خلال هذه الحرب الثنائية على إيران.
كما أن دول الخليج متخوفة من إيران، وقد حاول أمير قطر مؤخرا السعي إلى إيجاد حل لهذه الأزمة، والتفاهم مع إيران، لأن الأمر أصبح خطيرا ومتفاقما.
كيف تقرأون التحولات الجارية في العالم وأين دور الصين و روسيا؟
بالنسبة لقراءة التحولات الجارية في العالم، وخاصة ما يتعلق بدور الصين وروسيا ومحاولة الهيمنة الأمريكية على المنطقة، فإن روسيا والصين تريان أن إيران ليست مجرد لاعب إقليمي، بل هي شريك أمني واقتصادي واستراتيجي مهم.
فالصين ترى نفسها إلى جانب إيران في دعمها عسكريا في مواجهة هذه الهجمة الثنائية من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وترى أنه في حال انهيار النظام الإيراني الحالي فإن ذلك سيشكل انتكاسة سياسية كبيرة، وقد يؤدي إلى تغيرات في الجغرافيا السياسية في المنطقة.
كما أن روسيا ترى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى فقدان حليف استراتيجي مهم، بينما تعتبر الصين أن هذا التصعيد يهدد استثماراتها الجيوسياسية في المنطقة، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والتجارة الدولية.
وقد أشرت سابقا إلى مسألة مضيق هرمز، حيث إن تعطله أو إغلاقه سيؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية.
لكن في المقابل نجد أن روسيا اليوم في موقف محرج، لأنها منشغلة بالحرب في أوكرانيا، وهذه الحرب أثرت بشكل كبير على قدراتها السياسية والعسكرية. ولذلك فمن الصعب جدا أن تتدخل روسيا أو الصين بشكل مباشر في هذا الصراع.
ومع ذلك، فإن روسيا اعتبرت أن تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران يمثل انتهاكا للقانون الدولي، بينما ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن روسيا نفسها انتهكت القانون الدولي في حربها ضد أوكرانيا.
وهذا يعكس حالة كبيرة من التضارب في المواقف الدولية، ويجعل المشهد الدولي معقدا للغاية. ولذلك تبقى الصين وروسيا في موقع المراقبة، مع إصدار بعض التصريحات السياسية، نظرا لعلاقاتهما المتجذرة مع إيران.
كيف تقييمون التناول الإعلامي العربي و الغربي لهذه الأحداث؟
الحقيقة أن الإعلام العربي أعطى صورة حية عما يحدث في إيران وفي دول الخليج، واعتبر أن ما يجري يمثل انتهاكا للقوانين الدولية. كما حاول نقل الصورة الحقيقية لما يحدث من قصف وصراع في المنطقة.
وقد كتبت الصحف العربية الكثير، خاصة بعد مقتل المرشد الإيراني خامنئي، حيث اعتبر كثيرون أن هذا الحدث قد يؤدي إلى تحريك الشارع الإيراني. لكن ما حدث كان عكس ما توقعته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إذ خرج الشارع الإيراني مؤيدا للنظام.
وبالتالي فإن السيناريوهات تبقى مفتوحة، والإعلام سيواصل نقل ما يحدث، كما نقل سابقا ما يجري في غزة وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا.
والحقيقة أن الجسم العربي اليوم أصبح ينزف من عدة جهات، حيث تداعت عليه خاصة الولايات المتحدة الامريكية و الكيان الصهيوني في ظل تزايد الأزمات والصراعات في المنطقة.
أما الإعلام الغربي، فهناك في بعض الأحيان نوع من التعتيم، كما ان المعارض الإسرائيلي رئيس الوزراء الأسبق قال” انا مع إسرائيل في ضربها لإيران” ، و الإعلام الإسرائيلي، الذي يحاول التقليل من حجم الخسائر أو من تأثير الضربات التي تتعرض المناطق في حزب الله و في فلسطين المحتلة.
أما الإعلام الجزائري فقد قدم كذلك صورة واضحة عما يحدث، وحرص على نقل الأحداث وتحليلها، والدليل على ذلك هذا اللقاء مع جريدتكم الموقرة.
حاورته يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال