الدكتور محمد الأمين بلغيث مؤرخ وأكاديمي، سبر أغوار التاريخ الاسلامي فتميز في مجاله، واضطلع في ميدان البحث والتأليف، نال شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي الوسيط وتحصل على دكتوراه دولة في تخصص دراسات أندلسية عام 2003، له العديد من المؤلفات والدراسات، وما يزال يجمع بين العمل الأكاديمي كأستاذ التعليم العالي، في جامعة الجزائر 1 “بن يوسف بن خدة والبحث العلمي والـتأليف.
في لقاء جمعنا بهذه الشخصية العلمية المتميزة، وفي ذكرى مميزة أيضا ذكرى الاستقلال للشباب، كان لنا هذا الحوار…
نعيش ذكرى لها مكانة خاصة لدى كل الجزائريين، عيد الاستقلال والشباب، هل يمكنكم إعطائنا الدلالات التي تحملها هذه الذكرى، وماهي أبعادها التاريخية والحضارية؟
أن تعاصر لأكثر من 59 سنة ذكرى استعادة السيادة الوطنية المغتصبة منذ مائة واثنين وثلاثين سنة هي ليل الاستعمار الطويل كما تحدث وشهد المخلصون من المجاهدين وشهود المرحلة.
لهذا كلما اقترب هذا اليوم، أتذكر الفرحة العارمة التي اجتاحت الجزائر لأكثر من شهر حاملين الأعلام الوطنية، يستمعون إلى الأناشيد، هذه الذكرى وذكريات وطنية أخرى إن أحسنَّا الاستثمار فيها سنتمكن من كسب شريحة عريضة من جيل الشباب الذين تتخطفهم الأهواء والنزوات، والذي سيؤدي بالطبيعة إلى انهيار ركيزة أساسية لبناء سواعد قوية تصنع فرحة المجتمع في كل المجالات.
هذه الذكرى كما أتصور تجعلنا في “فلاش باك” نستعيد بوعي ثمن الحرية الذي دفعته الأجيال التي عاصرت ليل الاستعمار من خلال المحرقة الفرنسية: النفي والقتل ومصادرة الأراضي والسجن والقوانين الجائرة والعقوبات الرهيبة، هذا هو شريط ما يدور في خلدي وأنا أستعرض ما عرفته أمتي على يد عدو الماضي والحاضر والمستقبل فرنسا الاستعمارية.
ذكرى الحرية والاستقلال تعيدنا إلى وثيقة هامة أسست لكفاح الشعب الجزائري من أجل استعادة الحرية والاستقلال وبناء الدولة، وهي بيان أول نوفمبر، حدثنا عن سياقها التاريخي، وعن كونها كدستور للثورة ووضع أسس ومبادئ الدولة الجزائرية؟
قرأت لأحد المخلصين وهو محمد علي الربيعي الذي كتب نيابة عنا جميعا، ووثقت قوله في ذكرياتي ومذكراتي ذكريات من الزمن البعيد ما يلي” مهما كانت هوية من صاغ بيان أول نوفمبر 1954 ومهما كانت تحفظات بعض المنتمين إلى النواة الأولى للثورة على بعض بنود البيان سرا أو علانية فإن الأهمّ من كل ما قيل ويقال وسيقال هو أن الرجال الذين حملوا على عاتقهم تفجير الثورة في الميدان وضحوا بكل شيء من أجل أن تتحدى الثورة كل المعوقات قد اتفقوا في النهاية أن هذا البيان الذي جسد ضمير الشعب الجزائري الضارب في أعماق التاريخ وكتبوه بالحرف العربي الصحيح وأعلنوه للشعب الجزائري بالصوت العالي الفصيح الذي لا يقبل التزوير ولا التحوير غرة الفاتح من نوفمبر 1954 وتلقاه الشعب الجزائري في كل أرجاء الوطن عموما بالقبول من أول يوم ولبى النداء للجهاد بناء على محتوى هذا البيان وليس بناء على ما تعرض له من تشويه في مراحل لاحقة ولا ما يزعمه الخوالف من تأويلات تعسفية أو تحفظات متأخرة بعد أن استشهد الرجال الذين جسدوا نص البيان بأفعالهم وسقطوا في ميدان الشرف شهداء غير مبدلين ولا مغيرين. ولذلك فإن هذا البيان منذ إعلانه لم يكن يمثل المجموعة التي صاغته أو كتبته أو أعلنت عن تفجير الثورة رغم فضل السابقة المحفوظ لها في التحضير والمبادرة إلى الفعل وإنما أصبح منذ الإعلان عنه يمثل ضمير الشعب الجزائري الذي تبناه واحتضن رجاله المخلصين وجسد بنوده على الأرض، الشهداء والمجاهدون المخلصون”.
وأنا أقول على لسان الكاتب السابق الاستشهاد بحسن اختياراته في قراءته للبيان الذي يكشف زيف وتحريف ما اتفق إذا كان نص البيان الطويل واضحا للعام والخاص في مجمل بنوده فإن البند المتعلق بتقييد هوية الدولة المستقلة التي يطمح إليها الشعب الجزائري الثائر بـ((إطار المبادئ الإسلامية)) كما نبه عليها الطيب الوطني أنها من صياغة الشهيد مصطفى بن بولعيد رحمه الله لهذا يثير هذا المبدأ حفيظة بعض الناس منذ أول يوم. ولا غرابة أن يكون لهذا التحفظ علاقة بمحاولة تحوير هوية الدولة من إطار المبادئ الإسلامية بعد مؤتمر الصومام وإفراغه من مضمونه بعد اتفاقيات ايفيان ومحاولة استئصاله تماما بذريعة محاربة الإرهاب منذ سنة 1992 إلى اليوم. ولا عجب من رفع عملاء فرنسا لشعار إنقاذ الجمهورية الزائف مقابل شعار الإسلام ابتداء من سنة 1992 لأنهم امتداد للطرف الذي ناضل من أجل الاندماج قبل الثورة حيث كانت غايته القصوى أن يتمتع سكان الجزائر بحقوق المواطنة التي يتمتع بها المواطن الفرنسي ويكتسبون الجنسية الفرنسية. لا أستغرب هذا الأمر وقد كان نوفمبر هو البيان أثناء الحراك المبارك الذي تمت سرقة مساره وخطفه من الأقلية المحظوظة لتغييب الأغلبية المسحوقة كما قال ذات يوم الحكيم عبد الحميد مهري رحمه الله.
أول نوفمبر جاء تتويجا لسلسلة من المقاومات الشعبية، منها مقاومة الأمير عبد القادر، حدثنا عن طبيعة هذه المقاومة، وعن شخصية الأمير عبد القادر، كرمز مقاومة وكعالم، وكشخصية عالمية إنسانية؟
الأمير فارس وعالم ورجل شريف كرمته الإنسانية، لأخلاقه ومروءته، وتشهد على سيرته عشرات الكتابات الراقية من جميع أنحاء العالم، آخر ما قرأت كتاب “سكاون ولفريد بلنت” صقر الصحراء، عبد القادر والغزو الفرنسي للجزائر”هو عبارة عن ملحمة لشعب قاده شاب لا يتجاوز سنه الأربعة والعشرين سنة لمدة 17 سنة كاملة ولم ينهزم إلا في معركة سكات في جويلية 1936م تقريبا، ومع ذلك يعرف أنه يواجه تسونامي من قبل مجتمع يعرف التفكك القبلي والصراع بين مكوناته، ولم يدرك خطورة الغزو الصليبي الشامل لفرنسا الاستعمارية حليفة الكرسي البابوي، وجاءت إلى بلدنا في أرمادة لم تعرف لها الجزائر مثلا إلا مع معركة الجزائر الشهيرة بقيادة الملك الكاثوليكي الأسباني شارلكان شارل الخامس سنة 1541م.
منذ أيام تعرض الأمير عبد القادر لحالة من التطاول والطعن في شخصه وإرثه التاريخي، كيف تلقيتم الأمر، وماهي أبعاد هذا التهجم، وماهي أفضل الطرق للانتصار لهذا الرجل الرمز؟
سألوا الروائي البرازيلي باولو كويلو كيف يقاس الجهال بالحوار، أجاب” يقاس الجهل بمقدار الشتائم التي يستخدمها الشخص عندما لا تكون لديه أي حجج للدفاع عن نفسه”.
أعتقد أن الرد على أمثال هؤلاء هو ما أجاب به الشيخ محمد الغزالي حول موقف بعض الجزائريين من تخوين الأمير عبد القادر: قال الغرب يسحبون من نفايات تاريخهم بعض الرجال فيرسمون لهم صورة وقدوة في أذهان الناس، ونحن نأتي بزعمائنا، فنخونهم حتى لا يبقى لنا الرجل القدوة.
أعتقد أن الفارس الذي بقي فوق صهوة جواده مدة سبعة عشرة سنة كاملة لا يحتاج منا إلا أن نشهد له بالريادة والخلق الكريم والنسب الشريف وعلو الهمة.
الأمير عبد القادر شخصية كبيرة في تاريخ الدولة الجزائرية الحديثة، فقد أحياها بعد سقوط الجزائر، حامية الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.
وأقام الأمير أجهزة إدارية وعسكرية لرفع التحدي في وجه الاحتلال الفرنسي لبلادنا؟
وجهاز الأمير الإداري الذي واجه به الاحتلال الفرنسي لبلادنا كان بمقاييس العصر، بداية تأسيس لدولة عصرية، وتنظيم مؤسساتي، بلغ درجة كبيرة من الإحكام لم تبلغه أيُّ دولة في عصره في المحيط الإقليمي للجزائر.
ولم يتمكن الفرنسيون من اختراع ما هو أفضل وأضبط منها عندما آل إليهم حكم البلاد فيما بعد، فاكتفوا باعتماده كما هو، دون أن يدخلوا عليه تعديلا يذكر. لهذا أطرح في مطلع هذه الدراسة إشكالية حاول الاقتراب منها الأدباء والمؤرخون سواء في دراسات ومؤلفات وسِيَرِ ذاتية وهي كيف كان جهاز دولة الأمير الإداري؟
وبتعبير آخر: من هم هؤلاء الرجال الذين أحاطوا بالأمير عبد القادر الجزائري في أشدِّ الظروف العصيبة التي عرفتها المقاومة المسلحة؟ وكيف تم اختيارهم، وبمَ تميز به هؤلاء الرجال، ثم لماذا لم يتمكنوا وبحضور قيادة راقية تمثلت في الأمير وحكومة مكونة من علماء ورجال السيف.
فمنذ بدء جهاد الأمير ضد الغزو الفرنسي لم يكن جاهلا بميزان القوى العسكرية والسياسية والعلمية والاقتصادية، لذلك لم يكن لديه وَهْمٌ بالنصر، بل كان يقوم بواجبه الديني والوطني كما يليق بأيِّ رجل سوي العقل شريف، وقد عبرت رسالته من سجنه إلى الأسقف “دوبيش” أنه لم يكن صاحب أوهام، إذ قال: منذ ثلاث سنوات كنت أحارب الفرنسيين وليس لي أن أرى نهاية حميدة لي في هذه الحرب مع أني كنت معتقدا أني لم أقم إلا بالواجب الديني وحفظ بلادي وأخشى أن ألقى شبه الملامة من قومي الذين وثقوا بي وحلفوا ألا يتركوني.
وتبقى المسؤولية جماعية في عدم التمكن من طرد المحتل، كما لا يمكن أن تقع المسؤولية على عاتق فرد أو جماعة واحدة، لأن الآثار التي تم رصدها حتى الآن تبين أن الشعور بالخطر لم يكن موجوداً لدى معظم الجزائريين قبل سقوط مدينة الجزائر ولم يبدأ هذا الشعور في التبلور إلا بعد احتلالها.
في مرحلة الاستقلال هناك حالة من التدافع للقرب والابتعاد عن خط نوفمبر في عديد المجالات، في تصوركم ما المطلوب فعله، على المستوى الرسمي والشعبي، حتى لا نمضي بعيدا عن خط نوفمبر؟
من الصعوبة بمكان أن تحافظ على قاعدة وأسس بيان أول نوفمبر وهو مرجعية الدولة الجزائرية بعد الاستقلال في مواجهة نخبة سياسية لا تخفي تناقضها مع مبادئ وقيم الثورة، ويبدو أننا نجحنا في القيام بثورة عظيمة فلما انطلقنا إلى البناء فشلنا في السير على ما اتفق عليه الرجال الأفذاذ مصطفى بن بولعيد وديدوش مراد، محمد العربي بن مهيدي والعقيد لطفي، وهذا موضوع متشعب لكن الإجابة المطولة في السؤال الأول تغني عن هذا.
في تصوركم كيف يمكن توصيف الحالة الراهنة بين الشباب وتاريخه الوطني، وهل تعتقدون أن كل وثبة يصنعها الشباب نحو المستقبل لابد أن تستند على التاريخ كلحمة وكهوية وكرؤية، أم يمكن أن تتم دون ذلك؟
التاريخ هو ذاكرة الأمة، إذا تعرض التاريخ إلى التزوير والتشويه من طرف أي كان، فنحن أمة معرضة لاختلال لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى، أعتقد أن إجابة رئيس مجلس الأمة على هذا الأمر من خلال أسئلة التاريخ تغني عن الموضوع.
كمفكر وباحث في التاريخ والحضارة، كيف ترون مكانة التاريخ والذاكرة الوطنية في المنظومة التربوية، وما الطريقة البيداغوجية الأنسب في تدريس التاريخ الوطني؟
أعتقد أن المنظومة التربوية ولمدة طويلة وٌسِّدت إلى غير أهلها، منظومة تمنع الصلاة وتقزم التربية الإسلامية، وتشجع الرقص، سيتخرج منها ما نراه يوميا من عشرات الشباب المتسرب من خلال وسائل الإعلام، جرأة في كل شيء جرائم بيع الممنوعات، والحديث يعرفه القاصي والداني.
ننتقل الآن دكتور إلى واقع الشباب الجزائري، بانشغالاته وضغوطاته وتحدياته وطموحاته، وبين ما هو مطروح كبرامج وسياسات لمرافقته وتجاوز مشكلاته والاستجابة لانشغالاته، نفسيا، اجتماعيا، اقتصاديا، وغيرها..، كيف تحللون هذه المعادلة؟
الشباب اليوم يبحث عن العمل، والسكن وتوزيع الثروة بين المواطنين بالعدل أوالهجرة غير الشرعية للبحث عن الثروة، التي نفقد من خلالها سواعد هؤلاء الشباب للبناء الوطني وتشغيل المصانع وفلح وغرس الأرض.
وأما إذا تركناهم للبروباغندا وأن الشركات الوطنية والمؤسسات الاقتصادية لأبناء الذوات حتى لا أقول أكثر من هذا، معناه أننا نؤسس لليأس والانتحار.
من بين ما يطرح في هذا السياق هو فتح المجال أمام هذه الفئة (الشباب) وتشجيعها للانخراط في المجتمع المدني وإشراكها في الحياة العامة بمختلف مناحيها، وتأسيس فضاءات ومؤسسات تعبر عن انشغالاتها كمجلس الشباب ومرصد المجتمع المدني، ما رأيكم في هذه الخطوات؟
الأمة المحترمة هي التي عليها أن تجيب على سؤال وجيه ماذا تريد الأمة التي تحترم عقول الناس؟ هي الأمة التي تسعى إلى لم شمل أبنائها، والدفع بهم للعمل والاجتهاد، وأول مشروع كخارطة طريق هو إصلاح التعليم ولا يتأتى هذا إلا بجواب سليم على السؤال السابق.
كلمة أخيرة نختم بها الحوار، توجهونها للشباب الجزائري بهذه المناسبة؟
شكرا لكم وبارك الله فيكم، ونرجو أننا وفقنا في الإجابة على انشغالاتهم.
أجرى الحوار: زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال