لا يُعدّ شهر رمضان مجرد فترة امتناع عن الطعام والشراب، بل محطة سنوية تتغيّر فيها علاقة الإنسان بجسده، ونمط عيشه، وإيقاعه البيولوجي بشكل واضح.
فبين ساعات الصيام الطويلة، وتغيّر أوقات النوم، وتحوّل مواعيد الوجبات، يدخل الجسم في حالة تكيّف مع نظام جديد يفرض عليه تحديات فسيولوجية خاصة، ورغم ما يحمله الصيام من فوائد صحية مثبتة علميًا، إلا أن هذه الفوائد كثيرًا ما تُفرَّغ من مضمونها بسبب ممارسات غذائية غير مدروسة، تجعل من الإفطار لحظة تعويض مفرط بدل أن تكون مرحلة إعادة تغذية متوازنة.
في المجتمع الجزائري، يرتبط الإفطار الرمضاني بثقافة المائدة العامرة، حيث تتعدد الأطباق وتختلط النشويات بالمقليات والحلويات في جلسة واحدة.
هذا النمط، وإن كان يعكس البعد الاجتماعي والاحتفالي للشهر الفضيل، إلا أنه يطرح تساؤلات جدية حول تأثيره على صحة الصائم، خاصة مع تزايد الشكاوى المرتبطة بثقل الهضم، والنعاس بعد الإفطار، واضطرابات السكر، وزيادة الوزن خلال رمضان، بدل تحقيق التوازن الصحي المنشود.
وتبرز هنا إشكالية شائعة تتمثل في الخلط بين مفهوم “كسر الصيام” ومفهوم “التعويض الغذائي”، فالجسم بعد ساعات الامتناع لا يحتاج إلى كميات كبيرة من الطعام بقدر ما يحتاج إلى تغذية ذكية تحترم وضعه الفسيولوجي الحساس.
إذ يكون سكر الدم منخفضًا، وإفراز العصارات الهضمية في حدها الأدنى، كما تكون حركة الجهاز الهضمي بطيئة في بدايتها. وعليه، فإن إدخال وجبات ثقيلة وغنية بالدهون والسكريات بشكل مفاجئ لا يؤدي فقط إلى إرهاق المعدة، بل يخلّ بالتوازن الأيضي للجسم ويقوّض الفوائد الصحية للصيام.
من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن التغذية في رمضان حديثًا عن وعي صحي قبل أن يكون مجرد سرد لنصائح غذائية. فالصيام، عندما يُرافق بنمط غذائي متوازن، يتحول إلى فرصة لإعادة ضبط الشهية، وتحسين حساسية الجسم للأنسولين، والتقليل من السلوكيات الغذائية الخاطئة التي تراكمت طيلة العام. أما عندما يُساء التعامل معه، فإنه قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي على الجسم، خاصة لدى الفئات الأكثر حساسية كمرضى السكري، أو الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات هضمية.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تسعى جريدة عالم الأهداف من خلال هذا الملف إلى تسليط الضوء على الأسس العلمية لصيام صحي ومتوازن، وفهم الأخطاء الغذائية الأكثر شيوعًا على موائد الإفطار والسحور، واستعراض السبل الكفيلة بالحفاظ على الطاقة وتفادي الجفاف وزيادة الوزن خلال الشهر الفضيل، وذلك من خلال الحوار مع أخصائية التغذية خديجة بن علال، التي تقدّم رؤية علمية مبسطة تُعيد للصيام بعده الصحي الحقيقي.
الصيام: راحة فسيولوجية مشروطة
تؤكد بن علال أن الصيام في حد ذاته يُعدّ فترة راحة حقيقية للجهاز الهضمي، إذ يسمح بتنظيم إفرازات المعدة، وتحسين حساسية الجسم للأنسولين، وتقليل الالتهابات المرتبطة بسوء التغذية المستمر، غير أن هذه الفوائد تبقى “مشروطة” بنوعية الإفطار.
فبعد يوم كامل من الصيام، يكون الجسم في حالة حساسة: سكر الدم منخفض، إفراز العصارات الهضمية في حدها الأدنى، وحركة المعدة والأمعاء بطيئة.
وعندما يتم إدخال وجبة ثقيلة وغنية بالمقليات والنشويات والسكريات دفعة واحدة، يتعرض الجسم لصدمة غذائية حقيقية، تتمثل في ارتفاع سريع لسكر الدم، يليه إفراز قوي للأنسولين، ما يؤدي إلى تخزين الدهون والشعور بالتعب والنعاس بعد الإفطار.
وتؤكد بن علال أن الإفطار الصحي لا يعني منع الأكل التقليدي، بل تحقيق التوازن داخل الطبق الواحد، من خلال وجود مصدر بروتين مشبع، وخضر، مع تقليل تكديس النشويات والسكريات
المائدة الجزائرية: المشكلة في التركيب لا في الهوية
تشير الأخصائية إلى أن خصوصية المجتمع الجزائري تكمن في تناول الإفطار في وجبة واحدة متكاملة، وهو أمر ليس خاطئًا في حد ذاته.
فالإشكال الحقيقي لا يكمن في الأكل التقليدي، بل في تراكم عدة مصادر نشوية ومقلية داخل نفس الطبق أو نفس الجلسة.
فالجمع بين الشربة، والخبز الأبيض، والبوراك، والبطاطا المقلية، إلى جانب الحلويات والمشروبات الغازية، يضع الجهاز الهضمي تحت ضغط كبير.
والحل، حسب بن علال، هو تحقيق التوازن داخل الصحن الواحد، عبر إدخال مصدر بروتين مشبع، وخضر طازجة أو مطهية، مع تقليل النشويات والسكريات دون إقصائها نهائيًا.
أخطاء غذائية تتكرر يوميًا
من أكثر الأخطاء شيوعًا في رمضان، حسب الأخصائية، الإفراط اليومي في المقليات، التي تُبطئ إفراغ المعدة وتسبب الانتفاخ والحموضة، خاصة عندما تأتي بعد ساعات صيام طويلة.
كما أن الحلويات التقليدية، رغم ارتباطها بالثقافة الرمضانية، تتحول إلى عبء صحي عندما تُستهلك يوميًا، لكونها تجمع بين السكر المركز والدهون، ما يؤدي إلى اضطراب سكر الدم والشعور بالخمول.
وتضيف أن المشروبات الغازية والشاربات لا تُرطّب الجسم كما يُعتقد، بل تزيد العطش والانتفاخ، في حين أن غياب الخضر عن المائدة يفسر ارتفاع حالات الإمساك واضطرابات الهضم خلال الشهر الفضيل.
السحور: حجر الأساس في توازن الصيام
تُولي خديجة بن علال أهمية خاصة لوجبة السحور، معتبرة إياها وجبة “تثبيت الطاقة” وليست مجرد وجبة لملء المعدة. فالسحور الغني بالسكريات السريعة، كالبريوش والحلويات، يؤدي إلى ارتفاع سريع في سكر الدم يعقبه هبوط حاد، ما يفسر الشعور بالجوع والتعب في وقت مبكر من النهار.
أما السحور المثالي، فيعتمد على البروتينات، مثل البيض، والياوورت الطبيعي أو اليوناني، والجبن الطازج، لأنها تبقى مدة أطول في المعدة، وتُبطئ عملية الهضم، وتحافظ على استقرار سكر الدم. ويمكن دعم هذه الوجبة بفاكهة غنية بالماء والألياف، مع إمكانية استهلاك القهوة باعتدال حسب تحمل الشخص لها.
الجفاف: سلوك غذائي أكثر منه نقص ماء
توضح الأخصائية أن الجفاف في رمضان غالبًا ما يكون نتيجة غير مباشرة لنوعية الغذاء، وليس فقط لقلة شرب الماء. فالإكثار من الحلويات والمشروبات السكرية يرفع تركيز السكر في الدم، ما يدفع الجسم للتخلص منه عبر البول، وبالتالي فقدان السوائل.
والحل، حسبها، يكمن في شرب الماء تدريجيًا بين الإفطار والسحور، مع الاعتماد على الشوربات والخضر والفواكه الغنية بالماء، والابتعاد عن المشروبات الغازية التي تعطي إحساسًا زائفًا بالارتواء.
زيادة الوزن: نتيجة اختلال لا حتمية
تشدد بن علال على أن زيادة الوزن في رمضان ليست نتيجة الصيام، بل نتيجة خلل في التوازن الغذائي، يتمثل في كثرة القلي، وارتفاع السكر، وقلة النشاط البدني. فالتنظيم الغذائي لا يعني الحرمان، بل اعتماد طبق متوازن بدل تعدد الأطباق، والاكتفاء بحصة صغيرة من الحلوى، مع سحور بروتيني مشبع يساعد على ضبط الشهية. وعندما يستقر سكر الدم، تنخفض الرغبة في الأكل تلقائيًا.
في ختام هذا اللقاء، تؤكد أخصائية التغذية خديجة بن علال أن القاعدة الذهبية لصيام صحي تكمن في فهم استجابة الجسم للطعام: “الوجبة التي ترفع السكر بسرعة، ستأخذ طاقتك بعد ساعات، أما الوجبة المتوازنة الغنية بالبروتين والخضر، فتمنح طاقة أطول واستقرارًا أفضل”.
رمضان، كما تقول، ليس شهر الإفراط الغذائي، بل فرصة حقيقية لإعادة ضبط الشهية، وتحسين الهضم، وبناء علاقة أكثر وعيًا مع الطعام، تنعكس آثارها الإيجابية حتى بعد انتهاء الشهر الفضيل.
يبقى الصيام فرصة حقيقية لمصالحة الجسد مع نمط غذائي أكثر وعيًا، وليس اختبارًا لقدرة المعدة على التحمل. فالاختيارات اليومية على مائدة الإفطار والسحور هي التي تحدد إن كان رمضان شهر صحة وتجدد، أم شهر تعب وإرهاق. إن اعتماد التوازن، والاعتدال، واحترام حاجات الجسم، كفيل بأن يجعل من هذا الشهر الفضيل محطة لإعادة تنظيم العادات الغذائية، وتحسين الهضم، والحفاظ على الطاقة والصحة على المدى الطويل.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال