الدكتور بن يوسف تلمساني مؤرخ وباحث في الثورة الجزائرية، وشغل أستاذ محاضر في جامعة الجزائر أبي قاسم سعد الله، لسنوات وهو اليوم رئيس المجلس العلمي لمركز البحث في الدراسات التاريخية في الحركة الوطنية منذ سنة 2016، عدة محاور حاولنا إثارتها معه تتعلق بملف الذاكرة وأبعاد ثورة نوفمبر في هذا الحوار:
الذكرى 67 للثورة الجزائرية، ذكرى نتوقف عندها للتذكر والتدبر، في نظركم ماهي الأبعاد الحقيقية للذكرى؟
الحديث عن الثورة التحريرية التي نعتبرها مشروع لم يأتي من فراغ وإنما هو ثمرة لتراكمات من النضال والتضحيات الجسام، فالشعب الجزائري هو الشعب الوحيد الذي كان في نضاله مستميتا جيل بعد جيل وظل يقاوم منذ 1830، فالجزائر قبل الاحتلال كانت دولة مستقلة لها دبلوماسيتها تربطها علاقات بمختلف الدول، ولديها قناصل لدول أوروبية مقيمين فيها، تربطها معاهدات مع معظم دول المتوسط.
فالفرنسيين وطيلة بقائهم في الجزائر لم يطب لهم العيش بسبب سلسلة المقاومات الشعبية، والتي عبرت عن إصرار الجزائريين على الاستقلال رغم كل القوانين الجائرة والإكراهات المتعددة إلا أن ذلك لم يثنيهم عن هدفهم الأسمى.
فالجزائريين اختلفوا عن غيرهم في الإصرار، وتضحياتهم تفوق ما تتداوله الجهات الرسمية، ونحن نقول أن عدد الشهداء منذ الاحتلال يتجاوز 8 ملايين إذا احتسبنا عدد المفقودين في الحربيين العالميتين، والمهجرين قصرا.
بيان أول نوفمبر باعتباره الأرضية التي قامت عليها الجزائر في الثورة وبعد الاستقلال، هل حظي في رأيكم هذا البيان بالعناية اللازمة؟
ضروري بيان أول نوفمبر أن يواكب تصور الدولة الجزائرية، لأن جروح البلد كانت كبيرة وما تزال بعد الاستفلال، ما تزال الألغام التي زرعتها فرنسا تحصد ضحايا خاصة في صحرائنا، ولا نزال نشهد مولودين مشوهين بسبب الإشعاعات النووية في رقان وغيرها، وهنا نقول أن فرنسا لا تزال تقتل في الجزائر وتعذب بسبب هذه الجرائم اللاإنسانية.
ومازالت الدولة مصرة على فتح الكثير من الملفات منها المفقودين والتجارب النووية والألغام التي لم تعد تفيد معها الخريطة التي تحصلنا عليها في 2016، لأنها أصبحت تتحرك من مكانها، وكذا ملف الأرشيف الذي يخص الجزائر واستولت عليه السلطات الاستعمارية.
فالرجوع إلى بيان أول نوفمبر يمكننا اعتباره وثيقة نفتخر بها وهو بطاقة تعريفية للثورة وخريطة لها، صاغه شباب أخذوا المبادرة والمسؤولية ولدوا في رحم الحركة الوطنية وأخذوا قرار العودة للكفاح المسلح، لأن كفاح المقاومات الشعبية كان يفتقد للتنسيق باستثناء مقاومة الأمير عبد القادر الذي حمل مشروع الدولة الجزائرية الحديثة.
تأتي الذكرى هذا العام في ظروف مميزة تتعلق بطرح ملف الذاكرة وتوتر العلاقة بين الجزائر وفرنسا ماهي رؤيتكم لهذا الأمر؟
مازالت فرنسا تمجد الاستعمار من خلال خطابات زعمائها، فكيف لرئيس دولة يصرح ويقول أن الجزائر لم تكن من قبل أمة، وإن لم تكن كذلك فكيف لفرنسا أن يكون لها قنصل في بلادنا وتستدين من دولتنا..
أظن أن سقطات المسؤولين الفرنسيين وحدت لحمتنا، وقد تلقينا أخطائهم الجسيمة بسرور لأن هذه التصريحات ضربت أذناب فرنسا في الجزائر التي تعيق كتابة تاريخنا وتبليغه للأجيال، كما أنها أنارت الوعي للشعب والسياسيين كذلك، فالمستعمر عرف مكانة الذاكرة عند الشعوب، وراهن على ذلك الملف إلا أن اليوم فسد مخططه حين اتخذ الشباب من مواقع التواصل الاجتماعي فضاء للرد عليه.
اتخذت الدولة الجزائرية عدة إجراءات إيجابية فيما يخص الذاكرة كتخصيص يوم للذاكرة، وقناة خاصة بالذاكرة، وأنا أشرف في هذه القناة على برنامج جرائم فرنسا في الجزائر أسبوعيا، لذا أقول أن هناك نهضة ومؤشرات إيجابية ولو بوتيرة محتشمة لتدوين تاريخنا والإرادة قائمة للتواصل مع الشباب بمختلف القنوات لإيصال المعلومة بما يتناسب مع العمر والمستوى.
وقد أثبت الشباب وعيهم بمسؤوليتهم من خلال دفاعهم عن وطنهم وردهم على الأعداء في وسائل التواصل الاجتماعي.
تاريخ الثورة الجزائرية، في رأيكم هل أخذت حقها في المنظومة التربوية؟
نقولها بكل أسف أن تاريخ الثورة الجزائرية لم يدرس في الجامعة وفي تخصص ليسانس تاريخ قبل سنة 1993، أتحدث بصفتي مسؤولا سابقا للدراسات واستاذ بمعهد التاريخ وقد كنت ممن دافع عن إدماج الثورة في التعليم الجامعي مع عدة شخصيات وطنية الذين ظنوا أنه علينا توظيف التظافر والتلاحم الموجود في الثورة من أجل جمع أبناء الوطن الواحد واستخلاص الدروس والعبر، وقد اجتمعنا مع بعض الإطارات في جامعة وهران سنة 1991 وأذكر أنه كان معنا، سعيد عبادو وكان آنذاك الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين وهناك طرحنا موضوع إدراج تخصص تاريخ الثورة في ليسانس تاريخ.
ويمكن اعتبار ما حدث في الجزائر في سنوات التسعينات أوما يعرف بالعشرية السوداء ما هو إلا نتيجة لهذا التهميش والإقصاء الذي أثر على جيل كامل، فالشباب كان ضحية لهؤلاء من قصدوا طمس الذاكرة.
وفي سنة 1995 تأسس المركز الوطني للبحث والدراسات في الحركة الوطنية وكان بمثابة ضربة ثانية للطرف الذي عمل جاهدا لإقصاء تاريخ الثورة من الذاكرة الجماعية، وفي ذات السياق كذلك ناضلنا من أجل فتح تاريخ الثورة في تخصص ماجستير وأصبحت الأبواب مفتوحة على مصراعيها للبحث التاريخي. وفي 2002 تبنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مشاريع البحث وتم توطينها، وقد حملت وزارة المجاهدين على عاتقها نشر الأبحاث وطبع ما يقارب 1000 عنوان، وأنجزت أفلام وأشرطة خاصة بالمناسبة، وليس كما كان في السابق إحيائها بالفلكلور والحفلات.
ماهي تحديات ورهانات تدريس التاريخ الوطني في نظركم؟
أظن أن المناهج التربوية في مادة التاريخ يجب أن يعاد صياغتها من طرف متخصصين، وأن تركز على المحطات الأساسية في تاريخ الجزائر وفق المستويات الدراسية، ولا بد من إزالة بعض الشوائب في الكتاب المدرسي وأن تختار النصوص بعناية بعيدة عن الحشو الذي ينفر التلميذ والطالب وأن يعاد النظر في معامل مادة التاريخ.
وقد كانت لنا تجربة فيما يخص إعداد الكتاب المدرسي للمعلم يتماشى مع المقرر الدراسي سنة 2017 إلا أن التجربة لم تنجح لاعتبارات كثيرة، لذا أظن أنه حان الآوان لاسترجاع المنظومة التربوية وتصحيحها بعيدا عن أي صراعات سياسية أو إيديولوجية.
ماهي في نظركم الأساليب الناجعة لإعادة ربط الشباب بتاريخ بلده؟
أظن من بين الأسباب التي أدت إلى ذلك أنه في الفترة من 1963 إلى غاية 1993 كان الخطاب جاف لا ينفذ لعقول الشباب.
ومن بين الأساليب التي أراها ناجعة لإعادة ربط الشباب بتاريخهم هو الاهتمام بالندوات العلمية باعتبارها نافذة جديدة للبوح بالكثير وتبليغ رسالة الذاكرة.
وقد اعترف رئيس الجمهورية أننا تأخرنا في هذا المجال لذا فتخصيص دقيقة صمت للترحم على شهداء مجازر 17 أكتوبر 1961، وإعطاء يوم للذاكرة هو مصالحة مع الذاكرة وربط الأجيال بالقواسم المشتركة.
سنوات والصمت مفروض على عدة ملفات، لا يهمنا اليوم اعتذار فرنسا بل ما يهمنا هو أن لا تكمم الأفواه، وأن نبلغ المعلومة التاريخية للشعب والعالم، ولأننا بتاريخنا يمكننا أن نتفاوض على مكانة في هذا العالم واسترجاع صورة الجزائر وتبليغ رسالة الشهداء في الدفاع عن الذاكرة.
كلمة أخيرة توجهونها للشباب بالمناسبة ؟
ليس بلغة الخشب عليهم أن يعيشوا هذه اللحظات الفاصلة وأن يدافعوا على وطنهم أمام من يحاول زرع الشكوك في تاريخنا، وأن لا يعودوا لسنوات الجمر والانزلاقات التي تشغلنا عن تنمية بلدنا، وأن يساهم الكل من موقعه وأن يكون حاضرا في مختلف المستويات، ووصول شباب لمناصب عليا في البلاد يبشر بالخير وأظن أن هناك تحول فعلي يشجع على خلق الثقة بين الشباب والمسؤولين.
أجرت الحوار زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال