بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، يكتسي النقاش حول واقع الممارسة الإعلامية أبعادًا أعمق في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل بنية الإعلام وأدواره ووظائفه.
فلم يعد العمل الصحفي حكرًا على المؤسسات التقليدية، بل أصبح فضاءً مفتوحًا يتقاطع فيه مختلف الفاعلين، من صحافيين محترفين إلى مستخدمي المنصات الرقمية، في بيئة تتسم بالتدفق الهائل للمعلومات وتسارع وتيرتها.
هذا الواقع الجديد يطرح إشكالات جوهرية تتعلق بالمصداقية، وأخلاقيات المهنة، وحدود الحرية، في ظل ما يُعرف بعصر “ما بعد الحقيقة”، حيث تتداخل المعطيات وتتنافس الروايات.
في هذا الإطار، يأتي هذا الحوار مع البروفيسور في علوم الاعلام والاتصال الدكتور فضيل دليو ليسلط الضوء على أبرز التحولات التي مست العمل الصحفي، ويستشرف سبل التكيف مع تحديات المرحلة، مع التأكيد على أهمية بناء وعي إعلامي نقدي يحصّن المجتمع، خاصة الشباب.
تحولات العمل الصحفي في العصر الرقمي: من النموذج التقليدي إلى الإعلام التفاعلي
يؤكد الدكتور بأن الصحافة أصبحتاليوم أكثر انفتاحًا وسرعةً وتفاعليةً وتشظيا (تجزئة) من حيث التنوع والتعدد والإيجاز المعلوماتي، مما جعلها تواجه تحديات عدة يتمثل أهمها في الحفاظ على المصداقية والجودة في بيئة مشبعة بالمعلومات تهيمن عليها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتم إعادة تعريف دور الصحافي كوسيط موثوق في عصر يوسمه بعض المتخصصين بعصر “ما بعد الحقيقة” المرقمن والمعولم… يتنافس فيه الصحافيون مع المواطنين والمبدعين المستقلين (صحافة المواطن)، حيث يتعين على الصحافي التحقق من المعلومات في الوقت الفعلي، والتكيف مع صيغ إعلامية متعددة، وهو ما يتناقض مع نموذج الإعلام التقليدي الأكثر تأنيا وتثبتا وتحكمًا وهرمية.
تحديات الصحافة في زمن السرعة: بين ضغط النشر الفوري ومخاطر فقدان الدقة
يؤكد البرفيسور دليو في ذات السياق، أن وسائل التواصل الاجتماعي تفرض منطق الانتشار السريع لتدفق الأخبار، والنشر بصيغ متعددة، وباستخدام بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
حيث لخص الباحث بأن أهم التحديات التي تواجه الصحافي في هذا المجال هي اضطراره للنشر بوتيرة أسرع، مما لا يتيح له الوقت الكافي للتحقق من الأخبار، ويزيد من احتمالية خطئه وتحيزه التحريري، إذ يتعين عليه التحقق من المعلومات آنيًا (في الوقت الفعلي)، والتكيف مع صيغ متعددة وحوامل إعلامية متنوعة، مع الاعتماد على الخوازميات المبرمجة مسبقا (ذ.ا.)، والتعويل أكثر على نفسه متجاوزا النموذج التقليدي الأكثر تحكمًا وهرمية ، وهو ما قد يُضعف دوره ودور مسؤوليه التحريريين كـ”حراس بوابة” ومسؤولين اجتماعيا.
المصداقية الإعلامية في بيئة رقمية مشبعة: رهانات التحقق في مواجهة السبق والانتشار
هذا و يؤكد البروفيسور دليو أن مسألة المحافظة على مصداقية الصحافي في ظل التحديات سابقة الذكر التي مقودها السبق السريع والانتشار الواسع ليست بالأمر الهين، فهي تتطلب التمكن من الجمع بين منطقين مختلفي الطبيعة: السرعة والتحقق الدقيق، مما يقتضي إعادة تعريف دور الصحافي كوسيط إعلامي موثوق في عصر ما يسميه بعض المتخصصين بعصر “ما بعد الحقيقة”. وتحديدا، فإن ذلك يتطلب الالتزام ببعض الأبجديات الإعلامية التقليدية، أبرزها التأكيد على ترتيب بعض الأولويات الإعلامية وفي مقدمتها: إعطاء الأولوية للتحقق من المصادر قبل النشر، حتى لو كان ذلك يعني خسارة ثوانٍ معدودة لصالح المنافسين.
بالإضافة إلى استخدام أدوات التحقق الرقمي من الحقائق (fact-cheking)، استخداما ذاتيا أو بالاستعانة بفريق متخصص؛ وهو ما يعزز الممارسات التي تدعم التعايش مع “الضجيج الرقمي” ومقاومة المعلومات المضللة وكذا ضغط الخوارزميات المعلوماتية التي تعطي الأولوية للانتشار السريع على حساب الجودة.
وفي هذا السياق، اكد الباحث أنه يمكن الاستثمار في الاشتراك والانتساب إلى مجموعات إعلامية تعاونية تهتم بالجودة الإعلامية وتقاوم الاعتماد ما يمكن التعبير عنه ببساطة “إعلام النقرات أو الكبسات السريعة”.
وكذا الحفاظ على الشفافية من خلال شرح كيفية الحصول على المعلومات للجمهور، وما هي القيود والتحفظات القائمة والمحتملة. بالإضافة إلى الاعتراف بالأخطاء بسرعة ووضوح لتعزيز الثقة مع الجمهور.
بالإضافة إلى الحفاظ على الاستقلالية التحريرية عن المصالح الاقتصادية أو السياسية، أو على الأقل التقليل من تأثيراتها.
وفي الأخير، يمكن تلخيص ذلك بالقول إن المصداقية تقوم على توازن دقيق بين ثنائيات السرعة مع المسؤولية، والانتشار مع الدقة، والمشاركة الإعلامية مع الالتزام الأخلاقي.
حرية الصحافة والمسؤولية المهنية: معادلة التوازن في الإعلام المعاصر
وفي حديثه عن ثنائية الحرية والمسؤولية يؤكد الدكتور فضيل بأن تحقيق التوازن بين ثنائية حرية الصحافة والمسؤولية المهنية يعتبر أحد أبرز تحديات الصحافة المعاصرة، فالحرية تضمن للصحافيين إمكانية إجراء التحقيقات والنشر دون رقابة، بينما تضمن المسؤولية ممارسة هذه الحرية بدقة وأخلاق واحترام للحقيقة.
وقد يتطلب ذلك اعتماد أطر توجيهية: أخلاقيات المهنة وآليات الالتزام الذاتي بالمسؤولية الاجتماعية، والشفافية، والتكوين المستمر للتكيف مع المستجدات الرقمية، واعتماد مؤسسات مهنية جدية: مجالس صحافية، ومؤسسات للدفاع عن القراء وللوساطة بين حرية الصحافة والتجاوزات، الانتهكات الإعلامية.
حيث أشار الى أن حرية الصحافة دون رقابة قد تؤدي إلى التضليل الإعلامي، والرقابة دون حرية قد تتحول إلى رقابة، ويتحقق التوازن عندما يمارس الصحافيون استقلاليتهم بدقة وأخلاق والتزام اجتماعي، مدافعين عن ثنائية حقهم في الإعلام وحق الجمهور في الحصول على المعلومات الصحيحة.
التربية الإعلامية كضرورة مجتمعية: نحو بناء وعي نقدي في عصر تدفق المعلومات
وفيما يتعلق بالتربية الإعلامية، أكد ذات المتحدث بأن دمج هذه المادة في المناهج التعليمية أمرًا بالغ الأهمية لحماية الأجيال الصاعدة ولتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأجيال القادمة في ظلّ وفرة المعلومات الرقمية وتسارع انتشارها.
ومع الإشارة إلى أن الأمر لا يقتصر على تعليم التلاميذ والطلاب كيفية استخدام الأدوات التكنولوجية الاستعلامية فحسب، بل يتعداه إلى تنشئة مواطنين قادرين على تحليل المحتوى وتقييمه وإنتاجه بمسؤولية الإعلام المواطني.
كما أشار الباحث بـأنه ينبغي أن يتضمن التعليم مادة التربية الإعلامية كمقرر دراسي على غرار الرياضيات أو التاريخ أو بعض مواد العلوم الطبيعية والإنسانية، لأنها عملية تهيئ الشباب للعيش في مجتمع تُعتبر فيه المعلومات قوة متعددة الأبعاد وتساهم في تحقيق الأمن المجتمعي وتعزيز روح الانتماء الوطني والحضاري بفاعلية.
الأسرة والمدرسة كحاضنتين للتفكير النقدي: أدوار تكاملية في مواجهة التضليل
وفي ختام حديثه، أكد الأستاذ المتخصص في علوم الاعلام والاتصال بأن الأسر والمؤسسات التعليمية تلعب دورًا تكامليًا وحاسمًا في تعزيز التفكير النقدي لدى الشباب، فهُما من أهم مكونات مؤسسات التنشئة الاجتماعية –إلى جانب المساجد ووسائل الإعلام- كبيئتين حاضنتين تُنمّى فيهما القيم والمهارات الفكرية اللازمة للتعامل مع بيئة غنية بالمعلومات المكثفة والمتسارعة والموجهة لخدمة أغراض اقتصادية وسياسية وثقافية.
كما أكد بأن كل من الأسرة والمدرسة يقوم بأدوار تعزيزية متشابهة للتفكير النقدي والحصانة الفكرية والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، فإن الطبيعة الاجتماعية لوظائف كل منهما قد تجعل الأسر تركز أكثر على تُعلّم الأطفال طرح الأسئلة والمشاركة في الحوار، وتجعل المؤسسات التعليمية تركز أكثر على تُعلّمهم التحليل وتقديم الأدلة.
في ضوء ما تم التطرق إليه، يتأكد أن مستقبل الصحافة مرهون بقدرتها على التكيف مع بيئة إعلامية متغيرة دون التفريط في ثوابتها المهنية.
فالتحدي لم يعد فقط في نقل الخبر، بل في ضمان دقته ومصداقيته وسط زخم رقمي متسارع يفرض منطقه الخاص، وبين حرية التعبير ومتطلبات المسؤولية، يظل التوازن الدقيق هو الضامن لاستمرارية صحافة جادة وموثوقة. كما يبرز الدور المحوري لكل من الأسرة والمؤسسات التعليمية في تنمية التفكير النقدي وتعزيز الثقافة الإعلامية، باعتبارهما خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل وصناعة الوعي. إن الرهان اليوم لا يقتصر على تطوير أدوات الصحافة، بل يتعداه إلى ترسيخ منظومة قيمية ومهنية قادرة على حماية الحقيقة وخدمة الصالح العام في عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا.
حوارته بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال