تتجه المنظومة التربوية نحو مراجعة وتحيين عدد من المناهج والبرامج الدراسية، في مسعى لمواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لاسيما في مجالات اللغات الأجنبية والإعلام الآلي والذكاء الاصطناعي، وما تفرضه هذه التحولات من متطلبات جديدة على المدرسة وسوق العمل.
ويأتي إدراج اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، إلى جانب التعديلات التي مست بعض الكتب المدرسية وإعادة تنظيم المناهج والأحجام الساعية، ضمن مسار يرمي إلى تطوير التحصيل الدراسي وتعزيز المكتسبات الأساسية للتلاميذ.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في المناهج التربوية، الأستاذ إسماعيل دباح، في حوار مع يومية “عالم الأهداف”، أن مراجعة المناهج وتحيينها بصورة دورية أمر ضروري لترقية المنظومة التربوية وضمان مواكبتها للمستجدات العلمية والتكنولوجية، مشددا على أهمية توفير الوسائل البيداغوجية المناسبة، وتكوين الأساتذة، وإخضاع الإصلاحات للتقييم العلمي المستمر، حتى تتحول التعديلات المقررة إلى نتائج ملموسة في الميدان.
مراجعة المناهج ضرورة لمواكبة التحولات الجديد
أوضح الأستاذ إسماعيل دباح أن المناهج التربوية تحتاج بصورة دورية إلى التعديل والمراجعة والتحيين، معتبرا أن المسعى الذي شرعت فيه وزارة التربية الوطنية مؤخرا يندرج ضمن هذا التوجه، من خلال إدخال تعديلات على بعض الكتب المدرسية، وإعادة جدولة وتنظيم المناهج، فضلا عن العمل المستمر الذي تقوم به لجنة المناهج.
وأشار المتحدث إلى أن هذه التعديلات بدأت تظهر نسبيا خلال السنة الدراسية الجارية، ومن بينها إدراج اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي كلغة ثانية، وهو خيار يهدف، حسبه، إلى ترقية المنظومة التربوية وجعلها أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات الجديدة، خاصة في ظل هيمنة اللغة الإنجليزية على الدراسات والبحوث والمخابر العلمية، إلى جانب التوسع المتزايد في استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مهما كانت بسيطة أو معقدة.
وأضاف أن تطوير المناهج لا ينبغي أن ينحصر في التغييرات الشكلية أو إعادة توزيع المواد، بل يجب أن يستند إلى رؤية تستشرف احتياجات التلاميذ المستقبلية، وتمنحهم المعارف والمهارات الأساسية التي تمكنهم من مواصلة التعليم والتكيف مع التحولات العلمية والمهنية.
تعليم اللغات الأجنبية في الابتدائي.. الاستيعاب مرتبط بالأسس البيداغوجية
وبخصوص قدرة تلاميذ المرحلة الابتدائية على تعلم أكثر من لغة، أكد دباح أن الطفل يستطيع دراسة عدة لغات في هذه المرحلة، شريطة مراعاة طبيعة اللغات المدروسة والتدرج في اكتسابها، موضحا أنه يمكن للتلميذ أن يتعلم اللغة العربية بعد اكتساب أسسها وركائزها خلال السنتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي، ثم الشروع في تعلم لغة جديدة في السنة الثالثة، على أن تكون مختلفة عنها من حيث الشكل والنطق.
واعتبر الخبير أن التجارب الدولية في هذا المجال متعددة، وأن تعلم أكثر من لغة في سن مبكرة أمر ممكن متى توفرت الشروط التعليمية المناسبة، مشيرا إلى أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطا بكيفية تقديم اللغات للتلاميذ، ومدى احترام قدراتهم الاستيعابية واحتياجاتهم التعليمية.
وفي ما يتعلق بالوسائل البيداغوجية، أوضح أن تعليم اللغة العربية يستفيد من توفر الكتاب المدرسي، غير أن مخابر تعليم اللغات داخل المؤسسات التربوية لا تزال محدودة الحضور، وهو ما يستدعي، حسبه، الاستعانة بالوسائل الحديثة والتجهيزات التي تسمح للتلميذ بالاستماع إلى الحوارات والمحادثات المناسبة ومتابعتها وتقليدها بصورة صحيحة وسليمة.
وشدد المتحدث على أن تعلم اللغات يعتمد في بدايته أساسا على السماع، باعتبار أن الاستماع الصحيح والسليم يمثل قاعدة أساسية لاكتساب النطق والقدرة على التواصل، وهو ما يجعل توفير الوسائل السمعية والتطبيقات التعليمية عاملا مساعدا على تحسين عملية التعلم.
تنظيم الحجم الساعي بين متطلبات التحصيل والضغط الدراسي
وفي رده على التساؤلات المتعلقة بالحجم الساعي للمواد الدراسية، أوضح دباح أن التعديلات التي تمس توقيت المواد لا تعني بالضرورة إضافة ساعات جديدة إلى اليوم الدراسي أو الأسبوع، بل تتعلق أساسا بإعادة توزيع الوقت بين المواد والحصص، وفق الأهداف المسطرة لكل مادة.
وأكد أن رفع الحجم الساعي لمادة معينة لا يضر بالتلميذ بالضرورة ولا يشكل ضغطا إضافيا عليه، ما دام الأمر مرتبطا بإعادة تنظيم الساعات المتاحة وتوزيعها بصورة مناسبة، وليس بزيادة مدة الدراسة اليومية أو الأسبوعية.
وأضاف أن التلميذ قد يتلقى في بعض المنظومات التربوية ست أو سبع ساعات من الدراسة يوميا، وقد يصل الحجم إلى ثماني ساعات في منظومات أخرى، مشيرا إلى أن وزارة التربية الوطنية في الجزائر تعتمد خياراتها الخاصة في تنظيم جداول توقيت التلاميذ، من خلال توزيع الساعات بين المواد بما يتناسب مع أهدافها.
وأوضح أن مراجعة الحجم الساعي ينبغي أن تنطلق من تقييم شامل لمدى تحقيق المواد لأهدافها، فقد تقتضي الحاجة، مثلا، منح مادة اللغة العربية اهتماما إضافيا أو إعادة توزيع الساعات المخصصة للمواد المختلفة، بما يسمح بتحسين التحصيل دون تحميل التلميذ أعباء دراسية غير ضرورية.
وبحسب المتحدث، فإن المسألة الأساسية لا تكمن في عدد الساعات وحده، وإنما في كيفية استغلالها وتوزيعها بين المواد، ومدى مساهمتها في تحقيق الأهداف التعليمية المسطرة.
الإعلام الآلي.. من الاستخدام اليومي للتكنولوجيا إلى اكتساب المهارات الرقمية
وفي ما يتعلق بإدراج مادة الإعلام الآلي ضمن المسارات الدراسية، خاصة في شعبتي الرياضيات والهندسة والتقنيات، وصف دباح هذا التوجه بالمهم، بالنظر إلى الدور الذي أصبحت تؤديه التكنولوجيا في التعليم والبحث العلمي ومختلف التخصصات.
ولفت إلى وجود تفاوت بين قدرة الأطفال والتلاميذ على استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، وبين تمكنهم الفعلي من الإعلام الآلي وتطبيقاته وبرامجه، موضحا أن التحكم في الأجهزة الرقمية لا يعني بالضرورة امتلاك المعارف والمهارات اللازمة لاستخدام برامج الحاسوب وتوظيفها في البحث والتعلم.
وأضاف أن تخصيص مادة للإعلام الآلي، يشرف عليها أستاذ مختص وتُدرّس وفق حجم ساعي مناسب، يمثل خيارا مهما، خاصة إذا ارتبطت الدروس بالتطبيقات والتمارين التي تسمح للتلاميذ باكتساب مهارات عملية، وتعميق معارفهم في تخصصاتهم الدراسية.
وأشار إلى أن هذه المهارات يمكن أن تسهم لاحقا في تطوير البحوث وتعميقها في مجالات الرياضيات والهندسة والتخصصات التقنية، كما يمكن أن يمتد أثرها إلى العلوم الطبيعية واللغات وغيرها من المجالات التي أصبح الإعلام الآلي وسيلة أساسية لتطويرها.
وأكد الخبير ذاته أن الرقمنة لم تعد مجرد وسيلة مساعدة، بل أصبحت من الأدوات الضرورية لمواكبة العصر، بالنظر إلى اتساع مجالات استخدامها وتداخلها مع مختلف التخصصات العلمية والمهنية.
الذكاء الاصطناعي وسوق العمل يفرضان إعادة النظر في التكوين
ويرى دباح أن اهتمام وزارة التربية الوطنية ببعض الشعب والمواد يرتبط، في جانب منه، بقراءة مستقبلية لتحولات سوق العمل، في ظل تغير طبيعة المهن والوظائف بفعل التطور التكنولوجي المتسارع.
وأوضح أن هناك مهنا مرشحة للتراجع أو الزوال، في مقابل مهن وتخصصات أخرى يُتوقع أن يتزايد حضورها خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما يفرض على منظومة التربية والتعليم إعداد التلاميذ لمتطلبات سوق عمل متغيرة باستمرار.
وأضاف أن المواطن الجزائري وخريج الجامعة لن يتمكنا من الاندماج في هذه المجالات الجديدة والمتجددة ما لم يمتلكا مكتسبات أساسية وتكوينا سليما في مجموعة من المعارف والتخصصات، على غرار الإعلام الآلي والذكاء الاصطناعي واللغات الأجنبية، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية.
واعتبر أن المدرسة مطالبة بتوفير قاعدة معرفية متينة تسمح للتلاميذ بمواصلة التعلم والتكيف مع المستجدات، بما يجعلهم أكثر استعدادا للاندماج في المهن المستقبلية التي ستتأثر بصورة متزايدة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء في المجالات البسيطة أو المعقدة.
وشدد المتحدث على أن مواكبة سوق العمل لا تتحقق بمجرد إدراج مواد جديدة في البرامج الدراسية، بل تتطلب بناء مسار تكويني متكامل يربط بين المعارف النظرية والمهارات التطبيقية، ويمنح التلميذ القدرة على توظيف ما يتعلمه في مختلف السياقات العلمية والمهنية.
تكوين الأساتذة شرط أساسي لإنجاح الإصلاحات
وفي حديثه عن شروط نجاح التعديلات البيداغوجية، أكد دباح أن كل إصلاح أو تعديل جوهري ينبغي أن يرافقه تحسين في مستوى التأطير التربوي، وتكوين للفريق البيداغوجي، وتدريب للأساتذة والمؤطرين، إلى جانب توفير الوسائل والظروف الملائمة لتطبيق البرامج الجديدة.
وأوضح أن وزارة التربية الوطنية تدرك أهمية التكوين المصاحب لإصلاح المناهج، مشيرا إلى أن التجربة الميدانية تؤكد ضرورة إعداد الأساتذة للتعامل مع المستجدات البيداغوجية، حتى يكون أداؤهم داخل القسم سليما ويحقق الأهداف المرجوة من الإصلاح.
وأضاف أن إعداد مناهج متطورة لا يكفي وحده لضمان النجاح، إذا لم يكن القائمون على تنفيذها متمكنين من محتواها وطرق تدريسها، محذرا من أن الفجوة بين مستوى المناهج وطريقة تطبيقها قد تحول دون تحقيق النتائج المنتظرة.
وفي هذا الإطار، ميّز المتحدث بين التعديلات التي تتطلب تكوينا جديدا وتلك التي تقتصر على تغييرات تنظيمية، موضحا أن إدراج محتوى جديد أو اعتماد مقاربة مختلفة يستوجب تكوينا وتأطيرا مناسبين، بينما قد لا تتطلب بعض التعديلات البسيطة، مثل دمج موضوع أو نقله من مستوى إلى آخر أو إلغاء جزء من البرنامج، تكوينا خاصا إذا لم تتغير طريقة التدريس أو طبيعة المحتوى بصورة جوهرية.
وشدد على أن التكوين المستمر لا ينبغي أن يقتصر على عقد جلسات إعلامية أو إرسال مراسلات ومذكرات تتضمن التعديلات، بل يجب أن يضمن تمكّن الأساتذة من تطبيق المناهج الجديدة بصورة صحيحة، بما يسمح بتحقيق الأهداف التعليمية المحددة.
التقييم العلمي لمرافقة الإصلاحات وقياس النتائج
وفي ختام حديثه، شدد خبير المناهج التربوية إسماعيل دباح على ضرورة أن تكون كل عملية تعديل أو نشاط تربوي مصحوبة بالتقييم، معتبرا أن العمل لفترات طويلة دون قياس النتائج لا يسمح بتحديد مدى التقدم المحقق أو معرفة الصعوبات والاختلالات التي تعترض التنفيذ.
وأوضح أن التقييم ينبغي أن يجيب عن جملة من التساؤلات الأساسية، من بينها نقطة الانطلاق، والنتائج التي تم الوصول إليها، والصعوبات التي واجهت تطبيق البرامج، والعراقيل التي حالت دون تحقيق الأهداف المسطرة.
وأكد أن هذه العملية لا يمكن أن تعتمد على التخمين أو الانطباعات الشخصية، بل يجب أن تستند إلى الدراسات والبحوث العلمية، وأن تتم في مراحل متعددة، تشمل بداية تنفيذ الإصلاحات ووسطها ونهايتها، بما يسمح بتحديد النقائص وضبط البرامج الاستدراكية المناسبة.
وأضاف أن التقييم المرحلي والنهائي يتيحان الوقوف على مدى فعالية التعديلات المقررة، وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى مراجعة أو دعم إضافي، بما يجعل الإصلاح التربوي عملية مستمرة قائمة على قياس النتائج وتصحيح الاختلالات.
وخلص دباح إلى أن نجاح إصلاح المناهج التربوية لا يرتبط فقط بجودة البرامج والمواد المدرجة فيها، بل يتطلب توفير الوسائل البيداغوجية، وتكوين الأساتذة، ومراعاة احتياجات التلاميذ، إلى جانب اعتماد التقييم العلمي المستمرن وهي شروط أساسية لضمان انتقال الإصلاحات من مستوى القرارات والتنظيمات إلى نتائج فعلية تسهم في تحسين التحصيل الدراسي وإعداد الأجيال لمتطلبات المستقبل.
أجرت الحوار بوزيان بلقيس




























مناقشة حول هذا المقال