استحضرت الجزائر ومصر، اليوم الخميس، إحدى أبرز المحطات في تاريخ مقاومة الاستعمار والتضامن العربي، بإحياء الذكرى السبعين لدحر العدوان الثلاثي على مصر، بالتزامن مع الاحتفالات بالذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية الجزائرية، في مناسبة نظمتها جمعية مشعل الشهيد بالتنسيق مع الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة التحريرية وسفارة جمهورية مصر العربية بالجزائر، بقصر الثقافة مفدي زكرياء بالعاصمة.
وشكلت المناسبة فضاء لاستعادة صفحات من النضال المشترك بين الشعبين، واستحضار المواقف المصرية الداعمة للثورة الجزائرية، إلى جانب التضحيات التي جسدت وحدة المصير في مواجهة الاستعمار، بحضور شخصيات وطنية ودبلوماسيين وبرلمانيين وأكاديميين وإعلاميين وممثلين عن المجتمع المدني.
العدوان الثلاثي.. محطة مفصلية في مسار التحرر والتضامن
وفي كلمته بالمناسبة، أبرز رئيس الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة التحريرية، نور الدين ساعد، أن العلاقات الجزائرية المصرية تتجاوز الروابط التقليدية بين دولتين شقيقتين، لتستند إلى تاريخ من التضحية والتضامن خلال معارك التحرر والاستقلال.
وأوضح أن قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 جويلية 1956 شكل محطة أساسية في المواجهة مع القوى الاستعمارية، التي شنت عدوانها على مصر في أكتوبر من العام نفسه، في محاولة لاستعادة نفوذها والحد من دور القاهرة الإقليمي ودعمها لحركات التحرر.
وأشار ساعد إلى أن مساندة مصر للثورة الجزائرية كانت من بين العوامل التي زادت من حدة التوتر مع فرنسا، التي سعت إلى إضعاف الدعم المقدم لجبهة التحرير الوطني، مؤكدا أن القاهرة احتضنت ممثلي الثورة ودافعت عن القضية الجزائرية في المحافل الدولية، رغم الضغوط والتهديدات التي تعرضت لها.
ومن جهته، أكد سفير جمهورية مصر العربية لدى الجزائر، عبد اللطيف اللايح، أن موقف بلاده من الثورة التحريرية انطلق من إيمان راسخ بحق الشعوب في الحرية والاستقلال، مستحضرا الدعم الذي قدمته مصر بقيادة جمال عبد الناصر للشعب الجزائري منذ اندلاع الثورة في الفاتح من نوفمبر 1954، وصولا إلى استرجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962.
وتوقف السفير عند حادثة احتجاز سفينة السلاح المصرية في أكتوبر 1956، وهي في طريقها لدعم جيش التحرير الوطني الجزائري، معتبرا أنها تعكس طبيعة الترابط بين المواجهة الاستعمارية في مصر ومحاولات عرقلة الثورة الجزائرية.
كما أشاد بمقاومة سكان بورسعيد، وما أبدوه من صمود وتضحيات في مواجهة القوات المعتدية، مشيرًا إلى أن تخليد اسم المدينة في إحدى ساحات العاصمة الجزائرية يجسد عمق التضامن بين الشعبين.
واستحضر السفير أيضا مشاركة الجزائر في حرب أكتوبر 1973 إلى جانب مصر، معتبرا أن هذا الموقف شكل امتدادا لوحدة المصير العربي، ومشيدا بتضحيات الجنود والمجاهدين الجزائريين الذين ساندوا أشقاءهم المصريين، مشيرا إلى تكريم مصر عددا من المجاهدين الجزائريين تقديرا لدورهم التاريخي، مستذكرا المجاهدين الراحلين محمد الطاهر بزغوب.
وعلى صعيد العلاقات الراهنة، أكد السفير أن البلدين يواصلان تعزيز التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي، مشيرا إلى تجاوز المبادلات التجارية بينهما 1.3 مليار دولار، وإلى احتلال مصر المرتبة الثالثة ضمن المستثمرين الأجانب في الجزائر، مع تطلع الطرفين إلى توسيع الاستثمارات واستغلال الفرص المتاحة في مختلف القطاعات.
وبدوره، اعتبر الدكتور محيي الدين عميمور أن العدوان الثلاثي شكل منعطفا في تاريخ التضامن العربي ومقاومة الاستعمار، موضحا أن خلفياته تجاوزت مسألة تأميم قناة السويس إلى محاولة الحد من الدور المصري في دعم حركات التحرر، وفي مقدمتها الثورة الجزائرية.
فيما تطرق إلى اتفاقية سيفر التي مهدت للعدوان، وإلى تداعيات فشله على القوى المعتدية، في ظل صمود الشعب المصري والضغوط الدولية والرفض الشعبي للحرب.
واستعاد عميمور جانبا من تجربته الشخصية خلال تلك المرحلة، كاشفا أنه تطوع، رفقة عدد من زملائه الطلبة، ضمن الحرس الوطني المصري، حيث تلقوا تدريبا على استعمال الأسلحة استفادوا منه لاحقا عند التحاقهم بجيش التحرير الوطني الجزائري.
وشدد على أن التضامن بين الجزائر ومصر لم يكن مجرد رد للجميل، بل استند إلى رؤية استراتيجية تعتبر أمن البلدين ترابطا، وتؤكد ضرورة التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة.
شهادات المجاهدين.. ذاكرة حية لتضحيات مشتركة
وفي شهادة استحضرت تفاصيل ميدانية من تلك المرحلة، روى المجاهد عبد الله دباغ، أحد أفراد فرقة الضفادع البشرية التابعة للقوات البحرية، جوانب من مشاركته في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، متوقفا عند المهام التي كلفت بها الفرقة في قناة السويس، لاسيما التعامل مع الألغام التي أعاقت الوصول إلى مدينة بورسعيد.
وأوضح أن طبيعة العمليات تطلبت استعدادا بدنيا ونفسيا كبيرا، بالنظر إلى المخاطر المرتبطة بالموقع والظروف العسكرية السائدة آنذاك، مشيرا إلى أن تأمين الممرات المائية وإزالة العوائق كانا من المهام التي استدعت الشجاعة والدقة والتنسيق.
وخلص المشاركون إلى أن استحضار هذه المحطات التاريخية لا يقتصر على تخليد الماضي، بل يمثل فرصة لتعزيز التعاون الثنائي وتوسيع الشراكة الاقتصادية والسياسية، بما يخدم مصالح الشعبين ويدعم القضايا العربية والإفريقية العادلة.
كما شددوا على أن الوفاء لتضحيات الشهداء والمجاهدين يقتضي الحفاظ على الذاكرة المشتركة ونقلها إلى الأجيال الجديدة، باعتبارها رصيدا تاريخيا يعزز قيم الحرية والسيادة والتضامن بين الشعوب.
بثينة ناصري























مناقشة حول هذا المقال