في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، التي تقودها الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والانتقال الطاقوي، تبرز الحاجة إلى نماذج تنموية جديدة قادرة على تحقيق النمو المستدام وتعزيز التنافسية.
والجزائر، التي باشرت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، تسعى إلى ترسيخ سيادتها الاقتصادية من خلال تنويع اقتصادها، وتشجيع الاستثمار، ودعم الابتكار، وتسريع التحول الرقمي.
في هذا الحوار، يتحدث عبد الرحمان هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عن واقع الاقتصاد الجزائري، وأبرز التحديات التي تواجهه، وفرص بناء اقتصاد قائم على المعرفة، كما يقدم رؤيته بشأن دور الجامعة، والمؤسسات الناشئة، والذكاء الاصطناعي، في تحقيق أهداف التنمية وتعزيز مكانة الجزائر كقوة اقتصادية إقليمية بحلول عام 2030.
بداية، كيف تقيمون الوضع الاقتصادي الحالي في الجزائر في ظل التحولات الاقتصادية العالمية؟
رغم حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي، أظهر الاقتصاد الجزائري خلال السنوات الأخيرة قدرة معتبرة على الصمود والتكيف، مدعوماً بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية. وقد انعكس ذلك في تحسن العديد من المؤشرات الاقتصادية الكلية، ولا سيما النمو المتواصل للقطاعات خارج المحروقات، واستقرار التوازنات المالية، وتحسن مناخ الاستثمار.
وقد أكدت مؤسسات مالية دولية مرجعية، على غرار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أن الجزائر حققت تقدماً ملحوظاً في تعزيز استقرار اقتصادها الكلي، وتحسين وضعها المالي والخارجي، مع تسجيل نمو تقوده القطاعات غير النفطية، وهو ما يعكس بداية تحول تدريجي في بنية الاقتصاد الوطني. وفي المقابل، شددت هذه المؤسسات على أهمية مواصلة الإصلاحات الهيكلية لتسريع وتيرة التنويع الاقتصادي وتعزيز مساهمة القطاع الخاص.
لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق تحقيق الاستقرار إلى منطق رفع الأداء الاقتصادي، لأن التنافس الدولي أصبح يقاس بالإنتاجية والابتكار والقدرة على جذب الاستثمار وإنتاج المعرفة، وليس فقط بحجم الموارد الطبيعية.
ما أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الجزائري اليوم، وإلى أي مدى نجحت الجزائر في تقليص تبعيتها للمحروقات وتنويع مصادر الدخل؟
لا يزال تنويع الاقتصاد يمثل التحدي الأكبر، غير أن الجزائر قطعت خطوات مهمة خلال السنوات الأخيرة. فقد برزت مشاريع استراتيجية مثل استغلال منجم غارا جبيلات، الذي من شأنه إرساء صناعة منجمية وحديدية متكاملة، ومشروع بلاد الحدبة الذي سيجعل الجزائر من المنتجين الكبار للأسمدة الفوسفاتية، إلى جانب التطور اللافت للصناعة الصيدلانية التي أصبحت تغطي نسبة معتبرة من احتياجات السوق الوطنية، وتحول الجزائر إلى مصدر للإسمنت بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي.
كما برزت مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، مثل ممر SoutH2 Corridor ومشروع ALTHE2A، باعتبارها مشاريع استراتيجية ستفتح آفاقاً جديدة للصادرات الجزائرية نحو أوروبا، وستسهم في خلق منظومات صناعية جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
ورغم هذه الإنجازات، فإن الرهان الحقيقي يبقى في رفع مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي، وتعزيز تنافسية المؤسسات، وتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات، بما يضمن اقتصاداً أكثر تنوعاً واستدامة.
ما أهمية المؤسسات الناشئة والابتكار في بناء اقتصاد تنافسي؟
لم تعد الثروة في الاقتصاد العالمي تقاس بحجم الموارد الطبيعية، وإنما بقدرة الدول على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. ومن هذا المنطلق، تمثل المؤسسات الناشئة أحد أهم محركات النمو، لأنها تبتكر حلولاً جديدة، وتخلق مناصب شغل نوعية، وتسهم في تطوير الاقتصاد الرقمي.
وقد حققت الجزائر تقدماً مهماً في بناء منظومة للمؤسسات الناشئة، غير أن المرحلة المقبلة تستوجب تعزيز الترابط بين الجامعة، ومراكز البحث، والمؤسسات الاقتصادية، وصناديق الاستثمار، حتى تتحول الأفكار المبتكرة إلى مشاريع منتجة وقابلة للتوسع والتصدير.
كيف يمكن للجامعة ومراكز البحث أن تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية؟
الجامعة لم تعد مؤسسة للتكوين فقط، بل أصبحت شريكاً أساسياً في التنمية الاقتصادية. ولذلك ينبغي أن يتجه البحث العلمي نحو معالجة الإشكالات الحقيقية للاقتصاد الوطني، سواء في الصناعة أو الفلاحة أو الطاقة أو الرقمنة أو الصحة.
كما أن إنشاء حاضنات الأعمال، وتشجيع نقل التكنولوجيا، وتطوير براءات الاختراع، وربط الباحثين بالمؤسسات الاقتصادية، من شأنه أن يحول الجامعة إلى فضاء لإنتاج الحلول الاقتصادية، وليس فقط لإنتاج الشهادات.
ما تقييمكم لجهود الدولة في مجال التحول الرقمي والإصلاحات الاقتصادية؟
عرفت الجزائر خلال السنوات الأخيرة ديناميكية إصلاحية مهمة شملت تحديث قانون الاستثمار، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الدفع الإلكتروني، وتبسيط الإجراءات الإدارية. غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في التسريع في إرساء منظومة وطنية متكاملة للحوكمة الرقمية، تقوم على التشغيل البيني بين الإدارات، وتكامل قواعد البيانات، واستغلال البيانات في صناعة القرار، وتطوير الهوية الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني.
فالتحول الرقمي ليس مجرد رقمنة للوثائق، بل هو أسلوب جديد لإدارة الاقتصاد والدولة، يسهم في تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الإنفاق العمومي، وتسريع الخدمات للمواطنين والمستثمرين.
ما هي الأولويات الاقتصادية التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق أهداف التنمية في أفق 2030؟
الأولوية الأولى تتمثل في رفع الأداء الاقتصادي وتحسين الإنتاجية، لأن التنمية المستدامة لا تقوم على زيادة الإنفاق فقط، وإنما على تحسين كفاءة الاقتصاد. كما ينبغي مواصلة تنويع الاقتصاد، وتطوير الصناعة التحويلية، واستغلال الثروات المنجمية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وفي الوقت نفسه، يتعين تعزيز الانفتاح على الأسواق الدولية والاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، من خلال تطوير المحتوى المحلي، وتشجيع الصادرات، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية ذات القيمة المضافة، بما يسمح للمؤسسات الجزائرية بالاندماج في شبكات الإنتاج العالمية.
كيف ترون تأثير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة على مستقبل الاقتصاد وسوق العمل، وما هي الفرص التي يتيحها للشباب الجزائري ورواد الأعمال؟
يمثل الذكاء الاصطناعي أكبر تحول اقتصادي منذ الثورة الصناعية، لأنه سيعيد تشكيل طرق الإنتاج والخدمات والإدارة والتعليم والصحة. وسيؤدي إلى اختفاء بعض الوظائف التقليدية، لكنه في المقابل سيخلق فرصاً واسعة في مجالات البرمجيات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والصناعة الذكية، والخدمات الرقمية.
وبالنسبة للشباب الجزائري، فإن هذه الثورة تمثل فرصة استثنائية للدخول إلى الاقتصاد العالمي من خلال الابتكار وريادة الأعمال، شرط الاستثمار في التكوين المستمر واكتساب المهارات الرقمية واللغوية.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن للجزائر تحويل هذه الثورة التكنولوجية من تحدٍ إلى فرصة لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وتعزيز تنافسيتها دولياً؟
ينبغي أن تتبنى الجزائر رؤية وطنية تجعل الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية، عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والحوسبة السحابية، والبيانات، والبحث العلمي، ودعم المؤسسات الناشئة، مع تشجيع تطوير حلول جزائرية في الصناعة والطاقة والفلاحة والصحة والإدارة.
وفي هذا السياق، فإن السيادة الرقمية تشكل أحد أهم مرتكزات السيادة الاقتصادية، لأن امتلاك البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والكفاءات الوطنية، أصبح عاملاً حاسماً في ضمان الاستقلالية الاقتصادية وتعزيز التنافسية الدولية. كما أن السيادة البشرية، القائمة على الاستثمار في التعليم والتكوين والبحث العلمي، تمثل الضمان الحقيقي لاستدامة هذا التحول.
ما الرسالة التي توجهونها إلى الشباب الجزائري الراغب في الاستثمار وريادة الأعمال والمساهمة في بناء اقتصاد وطني قوي؟
رسالتي للشباب هي أن المستقبل سيكون من نصيب من يمتلك المعرفة، ويؤمن بالابتكار، ويتحلى بروح المبادرة. فالجزائر تزخر بالفرص في مجالات الصناعة، والفلاحة، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والخدمات، لكن النجاح يتطلب المثابرة، والتكوين المستمر، والانفتاح على العالم، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة.
إن بناء اقتصاد قوي ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مشروع جماعي يشارك فيه الشباب، والجامعة، والمؤسسات، والقطاع الخاص، لأن الثروة الحقيقية لأي أمة هي كفاءاتها البشرية وقدرتها على الابتكار.
كما أنوه في ختام هذا الحوار، أن التحول الاقتصادي الذي تعيشه الجزائر يمثل خياراً استراتيجياً ينسجم مع المتغيرات العالمية ويستجيب لمتطلبات التنمية الوطنية، و أشدد على أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من منطق الإصلاح إلى منطق رفع الأداء الاقتصادي، عبر تعزيز الإنتاجية والتنافسية، وتسريع الحوكمة الرقمية، وترسيخ السيادة الاقتصادية باعتبارها الإطار الجامع للسيادة الطاقوية والغذائية والصناعية والرقمية والبشرية، بما يمكّن الجزائر من ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية قائمة على المعرفة والابتكار في أفق 2030.
حاورته نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال