نظمت وزارة البيئة وجودة الحياة لقاءً وطنياً حول الذاكرة البيئية، بشعار “الذاكرة البيئية.. أرض تشهد وجرائم توثق”، تزامناً مع إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، وذلك بمناسبة انعقاد الدورة الثانية لأشغال اللجنة الوزارية للذاكرة البيئية، بهدف تسليط الضوء على التضحيات الجسام للشعب الجزائري والآثار البيئية التي خلفها الاستعمار في العديد من المواقع الوطنية، لاسيما تضرر الثروة البيولوجية الحيوانية والنباتية، وذلك اليوم السبت بالنادي الوطني للجيش ببني مسوس.
وفي كلمتها الافتتاحية بالمناسبة، أكدت وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، أنه تزامناً مع إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة، يتجدد العمل على ترسيخ ملف الذاكرة البيئية، الذي يوثق الجرائم الاستعمارية المرتكبة في حق الطبيعة والإنسان، وما خلفته من تدمير للغطاء النباتي والغابي، وإبادة للأنظمة الإيكولوجية، جراء استخدام الأسلحة الكيميائية المحظورة دولياً، لاسيما النابالم، والتفجيرات النووية والألغام.
وأوضحت الوزيرة أن اللجنة الوطنية المشتركة للذاكرة البيئية تعمل على جمع الأدلة العلمية المدعمة بالشهادات التاريخية، لإثبات المسؤولية الاستعمارية والكشف عن الإبادة الممنهجة للأنظمة الإيكولوجية الوطنية، مشيرة إلى أن الجزائر تواصل جهودها لمعالجة هذه الآثار، من خلال تطهير مواقع الألغام لخطّي شارل وموريس، حيث تم نزع أكثر من عشرة ملايين لغم وإعادة تأهيل ما يفوق 62 ألف هكتار من الأراضي الملوثة، إلى جانب مواصلة تطهير المواقع النووية الاستعمارية والتكفل بالنفايات المشعة، لاسيما بمنطقتي عين إكر بتمنراست ورقان.
وأكدت في ختام كلمتها أن ملف الذاكرة البيئية يهدف إلى توثيق الانتهاكات الاستعمارية بالأدلة العلمية، وإبراز بشاعة الجرائم المرتكبة في حق البيئة، بما يكرس حق الجزائر في المساءلة ويؤكد ضرورة احترام الالتزامات والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية البيئة.
وفي ذات السياق، ابرز وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت أن رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يولي أهمية بالغة للذاكرة الوطنية بمختلف أبعادها، وهو ما يتجسد من خلال مشروعَي الجلسات الوطنية للذاكرة والتاريخ، ومشروع القانون المتعلق بالذاكرة الوطنية، الذي يجري استكمال إجراءاته بالتنسيق مع مختلف القطاعات والهيئات والمنظمات الوطنية.
كما أعلن عن التحضير، بالشراكة مع وزارة البيئة وجودة الحياة، لتنظيم ورشة موضوعاتية حول الذاكرة البيئية والتنمية المستدامة، في إطار إحياء الذكرى السابعة والستين للتفجيرات النووية برقان، خلال شهر فيفري 2027.
وفي هذا الإطار، أشار إلى انطلاق العملية الثانية لتطهير موقع نفق «بيريل E2» بمنطقة إن إكر بتمنراست، بالتزامن مع الاحتفالات المخلدة للذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة نوفمبر المجيدة، مؤكداً أن هذا المشروع المعقد يُنجز بكفاءات وإمكانيات وطنية خالصة، وفق أعلى المعايير المعتمدة لتجميع وتخزين النفايات المشعة.
من جهته، أكد وزير الدولة، عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، أن الذاكرة لا تقتصر على الوثائق والشهادات والمؤسسات الثقافية والعلمية، بل تشمل الأرض وما تحمله تضاريسها وغاباتها ومياهها وتربتها من شواهد على تاريخ الإنسان والتحولات والأضرار التي مست المحيط الطبيعي، لاسيما خلال فترة الاستعمار الفرنسي.
وأشار إلى أن توثيق الانتهاكات البيئية خلال الحقبة الاستعمارية يتيح قراءة التجربة الاستعمارية من زاوية أخرى، ويكشف امتداد آثارها إلى ما بعد الاستقلال، كما يعزز وعي الأجيال بما تعرضت له أرضها ومسؤوليتها في صونها وحمايتها.
وفي الختام، دعا إلى إدماج الذاكرة البيئية في المنظومة التربوية والبحث العلمي والسياسات العمومية والثقافة المجتمعية، بما يحوّل المعرفة بالماضي إلى وعي ومسؤولية في الحاضر واستعداد لمواجهة تحديات المستقبل.
على هامش الملتقى، صرحت وزيرة البيئة بأن أشغال اللجنة الوزارية والوطنية للذاكرة البيئية في دورتها الثانية شهدت عرض نتائج مهمة، لا سيما نتائج التحاليل المخبرية التي أُجريت على المواقع التي يُحتمل ويُرجّح أنها تعرضت للقصف بقنابل النابالم.
وأوضحت أن هذه التحاليل شهدت توسعًا من خلال أخذ عينات من مناطق مختلفة، لاسيما ولايات تبسة وعين الدفلى والنعامة، وذلك في إطار توسيع نطاق المواقع المعنية، وفقًا للخريطة الوطنية لرصد هذه المواقع، التي يجري ضبطها بالتنسيق مع وزارة المجاهدين، وبالاستناد إلى الشهادات الحية للمجاهدين.
وأضافت أنها اطلعت على أبرز نتائج التحاليل المخبرية، التي أظهرت تقدمًا في أعمال اللجنة، وأكدت حجم التدهور والأضرار البيئية التي طالت المواقع المعنية
وفي هذا السياق، أكدت أن اللجنة تعمل على تعميق التحاليل وحشد الأدلة العلمية الكفيلة بإثبات أركان المسؤولية الجرمية، باعتبار أن الأعمال غير المشروعة والمضرة بالبيئة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي تشكل أفعالًا مجرّمة ومحرّمة دوليًا، لارتباطها باستعمال أسلحة كيميائية محظورة بموجب الاتفاقيات الدولية، لاسيما اتفاقيات بازل ورامسار والتنوع البيولوجي وستوكهولم.
وصرح وزير المجاهدين وذوي الحقوق، في السياق ذاته، بأن العمل المنجز يندرج ضمن الجهود الرامية إلى توثيق عمق وخطورة الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والتي طالت الإنسان والحيوان والنبات، فضلًا عن البيئة والتربة والرمال ومختلف مكوناتها.
كما أوضح أن الندوات العلمية ستتواصل لعرض النتائج المرحلية، وصولًا إلى نتائج نهائية تضمن توثيقًا دقيقًا للجرائم الاستعمارية، وتوفير الأدلة العلمية والقانونية اللازمة لإثباتها ومواجهتها.
وأكد لنا البروفيسور حسين عبد الستار، مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، ورئيس اللجان الوطنية للذاكرة البيئية، أن اللجان باشرت عملها منذ تأسيسها في نوفمبر 2025، من خلال وضع تصور شامل لمشروع الذاكرة البيئية، بهدف صون الإرث البيئي، تنفيذًا لتوجيهات وزيرة البيئة وجودة الحياة ووزير المجاهدين وذوي الحقوق.
وأوضح أن العمل انطلق عبر التوثيق العلمي والمعاينات الميدانية والتحاليل المتعلقة بالأضرار التي مست المنظومات البيئية، نتيجة تدمير الغابات والاستغلال المفرط للموارد المنجمية، والتفجيرات النووية والكيميائية، واستعمال الأسلحة المحظورة.
وبخصوص مخرجات اللقاء، أشار إلى أنها تتمثل في تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والهيئات المعنية بالذاكرة والتاريخ، وتوسيع نطاق الخريطة الوطنية لتشمل مختلف الجرائم الاستعمارية التي مست البيئة والمحيط الطبيعي، إلى جانب إعداد أطلس وطني لجرد وتوثيق المواقع المتضررة، ومواصلة المسوحات والتحاليل العلمية والتقنية بالتعاون مع الشركاء المختصين.
وأضاف أن هذه الجهود تهدف إلى إثبات الحقيقة التاريخية، تمهيدًا للمطالبة بجبر الضرر وتحقيق العدالة التاريخية، فضلًا عن المساهمة في إعادة تأهيل المواقع المتضررة وترسيخ ثقافة التنمية المستدامة، وضمان حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومستدامة.
مراس سهى
























مناقشة حول هذا المقال