يشكّل تاريخ 27 ماي 1941 حدثا مشهودا في سجّل المسيرة النضالية للشعب الجزائري وكفاحه المرير ضد أعتى قوة استعمارية، لأنه يتزامن مع تاريخ إعدام مؤسّس الكشافة الإسلامية الجزائرية، المناضل محمد بوراس ورغم استشهاده واصلت عناصرها الوطنية السير على نهج مؤسّسها، وتمسّكت بمبادئها ومطالبها إلى غاية استرجاع السيادة الوطنية، ومرافقة للنشء وحمايته وتوجيهه توجيها سليما في المجتمع بعد استقلال الجزائر، وكذا الحفاظ على الذاكرة الجماعية وترسيخ الثقافة التاريخية في أوساط الشباب.
مولد ونشأة محمد بوراس
يعتبر محمد بوارس، من مـواليد 26 فيفـري 1908 بـحي العناصر بمدينة مليانة، ترعرع في كنف عائلة فقيرة، بدأ تعليمه الأول بحفظ القرآن الكريم وتعاليم الدين الإسلامي، وزيادة على تعليمه العربي، التحق في نفس الـوقت بالمدرسة الابـتدائية الفرنسية “موبورجي” بمسقط رأسه، ولم يسعفه الحظ لمواصلة تعليمه الـذي كان حِكرًا على المستوطنين، انتـقل إلى الجـزائر العاصمة وعـمل بمـطحنة الحـبوب بالحـراش (Maison Carré) كمحاسب، واجتاز مسابقة توظيف كاتب على الآلة الراقنة بالأميرالية (Amirauté d’Alger) وتحصّل على هذه الوظيفة بجدارة واستحقاق أمام مرشحين فرنسيين.
اندمج الشهيد في الحركة الوطنية السياسية، حيث ناضل في صفوف نجم شمال إفريقيا، وكان كثير التردّد على نادي الترقي الذي أسّسته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مما سمح له أن يكون على اتصال برواد الحركة الإصلاحية وعلى رأسهم عبد الحميد بن باديس والطيب العقبي… الخ.
عُرف المناضل البطل بفكره المناوئ للاستعمار الفرنسي من خلال مشاركته في عدة مظاهرات شعبية مندّدة بسياسة المستعمر المناهضة للهوية الجزائرية الإسلامية، واعتراضها على إلقاء الدروس والمواعظ من قبل الإصلاحيين في المساجد، وتماديها في غلق المدارس العربية ومنع التعليم العربي الحر بها.
تأسيس الكشافة الإسلامية الجزائرية
دفعت العروض الاستفزازية للسلطات الاستعمارية الفرنسية أثناء الاحتفالات المخلّدة للذكرى المئوية لاحتلال الجزائر عام 1930 بالوطنيين إلى التفكير الجدي لتأسيس حركة كشفية جزائرية مستقلة عن الكشافة الفرنسية، حفاظا على الشـخصية الـوطنية الجزائرية ولاسـتقطاب أبـناء الجزائريين المنخرطين في التنظيمات الكشفية الفرنسية الـتي يعود تـأسيسها إلى الثلاثينات من القرن الماضي.
وتجسيدا لهذه المبادرة اتفق بوراس رفقة صديقه صادق الفولّ، على رفع التحدي والشروع في تشكيل أول فوج كشفي جزائري “ابن خلدون” بمدينة مليانة سنة 1930، لا يتجاوز عشرة عناصر، إلا أن هذا الفوج عرف عدة مشاكل مع الإدارة الفرنسية خاصة بعدما فرضت انضمام بعض الأوروبيين واليهود في صفوفه لاستخدامهم كجواسيس، لذا قرّر محد بوراس تأسيس فوج كشفي آخر عام 1934 أسماه “الفلاح” بقلب القصبة، يضم ثمانية عناصر، وأعدّ قانونه الأساسي وقدّمه لولاية الجزائر بتاريخ 16 أفريل 1936 وتحصّل على تصريح إداري يوم 5 جوان 1936.
بعد تأسيس عدة أفواج كشفية في العديد من مناطق الوطن منها، “الرجاء” و”الصباح” بقسنطينة، “الفلاح” بمستغانم عام (1936)، “القطب” بالجزائر العاصمة (1937)، “الحياة” بسطيف، “الهلال” بتيزي وزو “الرجاء” بباتنة عام (1938)، “النجوم” بقالمة (1939) وغيرها، فكّر المناضل في توحيدها في اتجاه وطني واحد والتنسيق بين نشاطاتها، ولتحقيق ذلك أعدّ قانونا أساسيا عرضه على السلطات الفرنسية للمصادقة عليه، لكنها رفضته لما فيه من طابع مميز للشخصية الجزائرية، وتكوينها شبه عسكري.
ولما تولّت الجبهة الشعبية الحكم في فرنسا، قدّم محمد بوراس للمرة الثانية مشروع قانون جامعة الكشافة الإسلامية الجزائرية، وحظي بالموافقة، وتم تشكيل لجنة مُديرة له على رأسها محمد بوراس وأعضاء آخرين، وسعيا لتوحيد الأفواج الكشفية الجزائرية المنتشرة في ربوع الوطن والتنسيق بين نشاطاتها وطرق عملها، وجّـه محمد بوراس نداء لمؤسّسيها من أجل تنظيم تجمّع كشفي في جويلية 1939 بالحراش، تحت الرئاسة الشرفية لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين “الشيخ عبد الحميد بن باديس”، وكان شعاره “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا والجزائر وطننا”، فدرس المؤتمرون أهداف الحركة وسطّروا برامج العمل المشترك، كما تم تعيين القيادة العامة التي تسند إليها مهمة تربية النشء تربية وطنية، وتوحيد القانون الكشفي والزي الكشفي والشارات وتطبيق البرامج الكشفية وتكوين المخيمات الكشفية.
استشهاد البطل محمد بوراس
بعد انزعاج سلطات الاحتلال من نشاطات المناضل، المناهضة لسياسة الاستعمار، ومساهمته في غرس الروح الوطنية في أوساط الشباب لإعداد جيل ثوري يحرّر الوطن من قبضة الاستعمار الفرنسي، ومطالبته المستمرة بحق الاعتراف رسميا بالتنظيم الكشفي الجزائري الإسلامي واستقلاليته عن الكشافة الفرنسية، خاصة بعد اكتشافه لمناورات المستعمر الساعية لحذف كلمة “الإسلامية” عن الكشافة الجزائرية، خطّطت لتصفيته خاصة بعد تفطنها لنشاطاته السرية لإعداد الثورة والتخطيط لها بمساعدة الألمان لتزويده بالأسلحة بهدف تحرير الجزائر.
أصبح محمد بوراس تحت مراقبة مشدّدة من طرف مصالح الجوسسة الفرنسية المضادة، فأُلقي عليه القبض في 8 ماي 1941، وتم إخضاعه لتعذيب وحشي، ثم محاكمته في ثكنة عسكرية بصفة سريعة وجائرة ودون أدنى دليل يثبت إدانته، ودون احترام أدنى حقوق الدفاع حيث رفضت تعيين محامين جزائريين للدفاع عنه، وعيّنت بدلهم محاميا فرنسيا بصفة تلقائية، وحُكم عليه بالإعدام في 15 ماي 1941 بتهمة التعاون مع الألمان ضد فرنسا ومحاولة القيام بالثورة، ونفذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص في 27 ماي 1941 بحسين داي.
فريال بونكلة

























مناقشة حول هذا المقال