في خضم التحولات الرقمية المتسارعة التي يعيشها العالم، تتبدل أشكال الممارسة الإعلامية بوتيرة غير مسبوقة، وتظهر أنماط جديدة من إنتاج المحتوى تواكب الذوق العصري للجمهور، الذي لم يعد يكتفي بالمضامين التقليدية.
من بين هذه الأشكال، يبرز “البودكاست” كأحد أكثر الوسائط انتشارًا خلال السنوات الأخيرة، لما يجمعه من بساطة في الإنتاج وعمق في الطرح وحرية في التناول.
حيث يعد البودكاست عبارة عن إذاعة صوتية او محتوي صوتي متوفر على الإنترنت، ويختلف عن الراديو أنه يمكنك سماعه في أي وقت وليس عند البث المباشر فقط، ويمكن للبودكاست أن يكون في صيغة صوتية أو فيديو.
هذا ويرجع مصطلح «بودكاست» لدمج كلمتي “آيبود” جهاز لشركة أبل، “برودكاست” أي البث، حيث انطلق عام 2000 من قبل مطور البرامج الأميركي ديف وينر، بصيغة بدت بدائية، ثم ارتفعت سرعات الإنترنت، وتحسّنت وسائل التصوير والميكروفونات، فصار الأمر متاحاً للجميع بحلول عام 2005.
وفي الجزائر، بدأت تجربة البودكاست تفرض نفسها ضمن المشهد الإعلامي الحديث، مدفوعة بتطور التكنولوجيا الرقمية وتغير عادات الجمهور،
حيث برز البودكاست في الجزائر كأحد أبرز أشكال الإعلام الرقمي الجديد، الذي استطاع أن يفرض مكانته في ساحة الاتصال الحديثة.

حيث بدأت هذه التجربة تعرف انتشارًا لافتًا في السنوات الأخيرة، مدفوعة بتطور الوسائط الرقمية وتزايد الإقبال على المنصات التفاعلية. حول هذا الموضوع، وهو ما جعلنا نقترب أكثر من هذا الموضوع في حوار خاص مع الأستاذ إبراهيم لعزيز، أستاذ علوم الإعلام والاتصال بالجامعة الجزائر 3، المتخصص في البحوث الإعلامية المرتبطة بالمنصات الرقمية واستخدامات مواقع التواصل الاجتماعي وانعكاساتها الثقافية والاجتماعية والسياسية.
البودكاست.. الإعلام الجديد بروح قديمة
يبدأ الأستاذ لعزيز حديثه بتعريف البودكاست من منظور أكاديمي، فيقول :” البودكاست هو مضمون سمعي رقمي، عبارة عن تسجيلات تُبث عبر المنصات الرقمية، وقد كانت في بداياتها تُنشر عبر مواقع متخصصة قبل أن تنتقل إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ومع هذا الانتقال، تطورت من شكل إعلامي سمعي إلى سمعي بصري، فصار البودكاست اليوم فضاءً مفتوحًا للنقاش والحوار في مختلف المواضيع.”
ويضيف موضحًا الفارق الجوهري بينه وبين الإذاعة التقليدية:
“البودكاست يمنح حرية مطلقة للمستخدم في التلقي، فهو لا يرتبط بوقت بث محدد ولا بجدول زمني، بل يمكن الاستماع إليه في أي وقت ومن أي مكان، كما أن المحتوى أكثر مرونة وتنوعًا، وهو ما يجعله قريبًا من الجمهور الشاب الباحث عن مضمون مختلف.”
انتشار البودكاست في الجزائر.. جيل جديد ومضامين مختلفة
في حديثه عن أسباب انتشار البودكاست في الجزائر، يوضح الأستاذ لعزيز أن هذا الازدهار لم يأت من فراغ، بل هو نتاج تحولات إعلامية واجتماعية أعمق:
“أحد أهم الأسباب هو الانتشار الواسع لوسائل الإعلام الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت البديل الأبرز لدى الجمهور، خاصة مع تراجع الثقة في وسائل الإعلام التقليدية.”
ويضيف:” هناك أيضًا عامل بشري مهم، يتمثل في بروز جيل جديد من الصحفيين والمبدعين الشباب، الذين يمتلكون مهارات رقمية عالية وقدرة على استغلال الوسائط الحديثة لإنتاج محتوى مختلف، جذاب وهادف في الوقت نفسه.”
من الناحية الموضوعية، يؤكد لعزيز أن المضامين التي يتناولها البودكاست الجزائري أصبحت أكثر تنوعًا “، نجد اليوم بودكاستات سياسية، اقتصادية، تاريخية وثقافية، وأخرى تتناول مواضيع اجتماعية بجرأة وموضوعية، وهو ما ساعدها في بناء جمهور وفيّ ومتنوع.”
بين الانتشار والتأثير.. سؤال التأثير الحقيقي
يعتبر المتحدث أن انتشار البودكاست في الجزائر بات حقيقة لا يمكن تجاهلها، إلا أن الحكم على مدى تأثيره يحتاج إلى مقاربة علمية:” نسب المشاهدة والمتابعة الكبيرة لهذه المضامين تؤكد حضورها القوي في المشهد الإعلامي، ولكن تقييم أثرها الثقافي والاجتماعي يتطلب دراسات ميدانية معمقة حول الجمهور، لمعرفة أنماط الاستهلاك ومستويات التفاعل والمصداقية.”
تحديات متعددة.. بين التكوين والتمويل
ورغم هذا الانتشار، إلا أن صناعة البودكاست في الجزائر ما تزال تواجه عدة عقبات، أبرزها كما يقول بعزيز:” غياب التكوين المتخصص، إذ لا توجد إلى اليوم برامج أكاديمية أو معاهد تدرّس إنتاج البودكاست بشكل منهجي، كما أن المؤسسات الإعلامية التي تنظم دورات تكوينية في هذا المجال قليلة جدًا.”
ويضيف” التحدي الآخر هو التمويل، فالإعلانات لم تتجه بعد بقوة نحو هذا النوع من الإنتاج، ربما بسبب حداثة التجربة أو ضعف الأطر القانونية المنظمة لها. لذلك يعتمد أغلب صناع البودكاست على الجهد الذاتي أو التمويل المحدود، مما يعيق تطوير جودة الإنتاج.”
آفاق المستقبل.. نحو مأسسة التجربة
وعن رؤيته لمستقبل البودكاست في الجزائر، يرى الأستاذ لعزيز أن التجربة تحمل في طياتها إمكانيات واعدة، لكنها تحتاج إلى رؤية مؤسساتية واضحة:
“لكي يتحول البودكاست إلى نشاط إعلامي مهني ومستدام، لا بد من توفير التمويل اللازم، وتوسيع مجالات التكوين، وتنويع المضامين، فضلًا عن تطوير البنية التقنية للإنتاج والنشر.”
ويضيف أن الدعم الرسمي من المؤسسات الإعلامية والجامعية سيكون عاملاً حاسمًا في ترسيخ مكانة البودكاست كأداة للتثقيف والنقاش الحر.
يبدو أن البودكاست في الجزائر يشق طريقه بثبات نحو أن يصبح ركيزة أساسية في الإعلام الرقمي، مستفيدًا من روح الابتكار لدى الشباب ومن انفتاح الجمهور على المضامين الجديدة، غير أن تحوّله إلى صناعة إعلامية مهنية ومستدامة، يظل مرهونًا بتضافر جهود الفاعلين في القطاع الأكاديمي والإعلامي والاقتصادي، لبناء منظومة تدعم الإبداع وتؤطره في إطار مؤسساتي حديث.
إنّ البودكاست في الجزائر لم يعد مجرد تجربة عابرة أو صيغة ترفيهية، بل أصبح صوت الجيل الرقمي الجديد، الباحث عن فضاءات حرة للنقاش والتعبير بعيدًا عن النمطية، وبين الحماس الشبابي والرغبة في الاحتراف، تقف هذه الصناعة أمام فرصة حقيقية لتتحول إلى ركيزة أساسية في المشهد الإعلامي الوطني، شريطة أن تجد الدعم المؤسسي والتقني الذي تستحقه.
فالبودكاست الجزائري اليوم يعكس نبض المجتمع، ويعبّر عن تحولات عميقة في علاقة الجمهور بالإعلام، ليؤكد أن “مستقبل الكلمة لم يعد حكراً على الأثير، بل صار يسكن في شاشة وهاتف وميكروفون رقمي”.
بوزيان بلقيس
























مناقشة حول هذا المقال