في زمنٍ تتزايد فيه مظاهر التمزق والصراع، ويشتد فيه الخطاب الإقصائي والنزعات العنيفة، يبرز الملتقى الدولي للتعارف الإنساني في الجزائر بوصفه محطة فكرية واستراتيجية بالغة الأهمية. وقد ثمّن المشاركون، من أكاديميين وخبراء قادمين من دول متعددة، الجهود الكبيرة التي يبذلها المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر.
مؤكدين على ريادته في تبني هذا النوع من المبادرات الفكرية ذات البعد الحضاري والإنساني، كما أشادوا بالدور المتنامي الذي تضطلع به الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية، في ترسيخ ثقافة التعارف والحوار، وجعلها من ثوابت السياسة الفكرية والدبلوماسية الناعمة، ومن خلال تنوع الرؤى والمداخلات، يتجلى هذا الملتقى كمنصة جامعة لإعادة بناء العلاقة بين البشر على أسس تقوم على الاحترام المتبادل، وقبول الاختلاف، والانفتاح على الآخر، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر توازنًا وعدلًا.
مشاركون يشيدون بدور الجزائر في ترسيخ ثقافة التعارف والحوار الحضاري
وفي لقاء خاص جمع يومية عالم الأهداف بالأستاذ عبد الله حديد، أستاذ بكلية القانون بجامعة مصراتة ومدير مركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية بطرابلس أكد لنا أن هذا الملتقى يُعد محطة بالغة الأهمية، سواء من حيث المفاهيم والرؤى والقضايا التي يطرحها، أو من حيث تنوع المشاركين القادمين من خلفيات ثقافية وفضاءات دولية متعددة.
وأكد أن هذه المبادرة تعكس بوضوح الريادة التي يضطلع بها المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، وقدرته على مواكبة تحديات العصر من خلال الجمع بين المقاربة العلمية والفهم الواقعي، وهو ما تفتقر إليه العديد من المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي.
وبهذا الخصوص، أشار حديد إلى أن هذا الملتقى قد يشكّل مفتاحًا لحل عدد من القضايا العالقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، معربًا عن أمله في أن يتحول من مجرد فضاء علمي إلى مبادرة عملية تلقى دعمًا وتفاعلًا من مختلف المؤسسات المعنية.
وأوضح أن المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر، من خلال تنظيمه لهذا النوع من الفعاليات، يُظهر وعيًا استراتيجيًا بدور الفكر والدين في معالجة قضايا العصر، مشيدًا بكفاءة التنظيم والاختيار الدقيق للمواضيع المطروحة التي تمزج بين البعد الروحي والتحليل الواقعي.
كما كان لنا لقاء آخر مع الدكتورة هجيرة الشبلي، أستاذة بجامعة سطيف، حظيت هي الأخرى بمداخلة هامة حول بواعث وغايات التعارف، التي أكدت لنا أن فكرة الملتقى في حد ذاتها تُعد مبادرة طيبة، سواء من حيث مرجعيتها الإسلامية الأصيلة التي انبثقت منها، أو من حيث رؤيتها الشمولية التي تميزها.
وأوضحت أن أطروحة التعارف بين الحضارات التي تبناها الملتقى تحمل بعدًا استراتيجيًا يتجاوز خطاب الصدام، وتسعى إلى إرساء أسس الحوار السلمي والتفاهم الإنساني، انطلاقًا من مشتركات ثقافية وحضارية ذات جذور إسلامية. واعتبرت أن هذه الرؤية تشكّل أرضية مهمة لبناء قواسم مشتركة بين الشعوب والمجتمعات، بعيدًا عن الاستقطاب والنزاعات.
ورغم إيمانها العميق بأهمية الطرح، شددت الدكتورة الشبلي على أن التحدي الأكبر لا يكمن في التأصيل النظري أو المفاهيمي لهذه الرؤية، ولا في الأسس التي تنبني عليها، بل في كيفية تفعيلها وتجسيدها على أرض الواقع، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات الثقافية، والسياسية، والاقتصادية.
وختمت بالتأكيد على أن مثل هذه الأطروحات الفكرية، لكي تُحدث الأثر المرجو، لا بد أن تُرفق بـخارطة طريق واضحة، تحدد آليات التطبيق، وتضمن الانتقال من التنظير إلى الفعل، بما يُمكّن من تحويل مفاهيم التعارف الحضاري إلى واقع ملموس يسهم في بناء عالم أكثر توازناً وتسامحًا.
من جهة أخرى أبرز الأستاذ عبد الرزاق بلعقروز، من جامعة سطيف 2، إن تنظيم هذا المؤتمر يأتي في مرحلة حساسة وحرجة من التاريخ الإنساني، في ظل ما يشهده الواقع العالمي من تمزقات وصراعات متصاعدة، واتجاه مقلق نحو العنف، لاسيما في ظل التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، وما يمارسه الاحتلال الصهيوني من عنف ممنهج، وتغييب لثقافة التعارف، وإقصاء للآخر.
وأشار الأستاذ بلعقروز إلى أن الملتقى يكتسي أهمية خاصة، كونه يسعى إلى تقديم بديل حضاري يعيد الاعتبار للعلاقات الإنسانية، من خلال إبراز نموذج “العيش معًا”، بدلًا من منطق “الهيمنة والسيطرة”، الذي أصبح سائدًا في كثير من السياقات المعاصرة.
وأضاف أن الصورة التي ينبغي أن يعكسها المسلم اليوم، وسط هذا الواقع المضطرب، هي صورة الإنسان المتسامح، المنفتح على الآخر، والذي يُعلي من قيم التعايش والاحترام المتبادل.
وأبرز المتحدث أن المؤتمر يقدّم رؤية متكاملة لمفهوم الوحدة الإنسانية، انطلاقًا من مبدأ أن الاختلاف سنة كونية ينبغي أن تُقرأ قراءة جمالية، تساهم في الارتقاء بالإنسان من درك الصراع إلى آفاق المعنى والقيم والروح.
وأكد أن الملتقى أصاب الهدف، وجاء في وقته المناسب، لما يحمله من دعوة إلى تجديد المفاهيم بما يتماشى مع التحديات الراهنة، موجّهًا شكره لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وللمجلس الإسلامي الأعلى، على تبنيهما لهذه المبادرة الهادفة، ووعيهما العميق بأهمية التعارف كرافعة لتحقيق السلم المستدام. وختم بالقول إن الجزائر مدعوة اليوم لتبقى منبرًا لإصلاح المفاهيم، ومنصة للإشعاع الإنساني، بما تملكه من رؤى عميقة ومفاهيم راقية، في طليعتها مفهوم التعارف.
هذا وقد أشاد أيضا الدكتور أحمد الدبيان المدير العام للمركز الثقافي الإسلامي في لندن خلال النقاش المفتوح في اختتام الملتقى، وأحد الباحثين المشاركين في الملتقى، بجهود المجلس الإسلامي الأعلى في طرح هذه المعضلة في ملتقى دولي، مثمننا كل الأفكار المطروحة من الباحثين ومتفائلا بهذه الخطوة معتبرا أيها خطوة هامة تدفع لخطوات حقيقة عملية قادمة.
الجزائر تؤكد ريادتها في ترسيخ ثقافة الحوار والتعارف بين الشعوب
لقد أكد الملتقى الدولي حول التعارف الإنساني، بما احتضن من نقاشات عميقة ومقاربات متنوّعة، أن العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة منظومة القيم التي تحكم العلاقات بين الشعوب والثقافات. ففي ظل النزاعات المتصاعدة، وتراجع الخطابات الجامعة، يأتي هذا الملتقى ليُعيد الاعتبار لمفهوم “التعارف” كقاعدة لبناء السلم، وكرؤية فكرية متجذّرة في المرجعية الإسلامية، لكنها منفتحة في آنٍ على المشترك الإنساني.
ما ميّز هذا الحدث ليس فقط طبيعة الموضوعات المطروحة، بل أيضًا وعي المجلس الإسلامي الأعلى بضرورة الانتقال من التنظير إلى المبادرة الفاعلة، وهو ما نال تقدير المشاركين من مختلف الدول، الذين أجمعوا على أن الجزائر من خلال هذا المجلس ومؤسساته الفكرية باتت تشكّل صوتًا عقلانيًا ومسؤولًا في الساحة الدولية، يجمع بين الروح والقانون، بين الأصالة والتجديد.
إن نجاح الملتقى الدولي للتعارف الإنساني لا يُقاس فقط بعدد البحوث أو غنى المداخلات، بل بقدرته على إطلاق مسار طويل المدى، يقوم على ترجمة المفاهيم الكبرى، كالوحدة الإنسانية والتفاهم الحضاري، إلى مشاريع ملموسة، وسياسات تعليمية وثقافية ودبلوماسية، تُسهم في تهذيب الخطاب، وتحقيق التقارب بين البشر، وتثبيت أسس سلم دائم وعادل.
ولعلّ الرسالة الأبلغ التي خرج بها هذا الجمع النخبوي، هي أن التعارف لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، وأن الجزائر بهذا الزخم والتوجه مؤهلة لتكون منارة حوار، ومنصة لتجديد المفاهيم، في زمن بات فيه صوت العقل والتسامح في أمسّ الحاجة إلى الدعم والتفعيل.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال