في عالم تعاد فيه صياغة مفاهيم التعليم تحت صيغة التحول الرقمي، لم يعد تعليم الأطفال مبادئ البرمجة والروبوتيك خيارا هامشيا، بل ضرورة تنموية ومجتمعية واليوم لم تعد التقنيات حكرا على الكبار، بل باتت جزءا من مفردات الطفولة الجديدة.
حاورنا ياسر جادالله، مدرب وحكم روبوت معتمد، ومنسق قسم برامج الإبداع العلمي في مدرسة الملك عبدالله الثاني للتميز، والحاصل على ماجستير في تكنولوجيا التعليم، حول واقع تعليم البرمجة والروبوتيك في العالم العربي، وكيف يمكن تحويل هذا المجال من نشاط لا صفي إلى منهج وطني مؤسس لصناعة العقول.
كيف تقدمون مفاهيم البرمجة والتصميم للأطفال؟
نبدأ بتنظيم دورات صيفية موجهة للطلبة المهتمين، حيث نبسط المفاهيم تدريجيا. في البداية، نعرف الأطفال بالفرق بين الروبوت والآلة، ثم ننتقل إلى شرح مكونات الروبوت وتقسيمها إلى ثلاث وحدات رئيسية: مدخلات، معالجة، ومخرجات.
بعد ذلك، يتعلم الأطفال استخدام قطع البناء وكيفية توظيفها في التصميم، ثم ننتقل إلى البرمجة والتسلسل المنطقي لكتابة الأوامر. وتختتم الدورة بمشاريع تطبيقية فردية، تهدف إلى قياس مهارات الطفل في التصميم والبرمجة معا.
ما المهارات التي يكتسبها الطفل من تعلم الروبوتيك؟
الروبوتيك يُنمّي الجانب العلمي من خلال تطبيقات في الفيزياء، الرياضيات، والهندسة، لكنه يتجاوز ذلك إلى تنمية مهارات حياتية مهمة، مثل: التفكير النقدي وحل المشكلات، التعاون، التشارك، والعمل ضمن فريق. مهارات الاتصال، والتعبير عن الأفكار، الإبداع والابتكار، استخدام التقنيات الرقمية والمعلوماتية، إدارة الوقت والمشاريع، المرونة، التكيف، والقيادة.الالتزام بالسلوك الأخلاقي والمهني، التفاعل مع الآخرين باحترام، والانفتاح الثقافي.
كيف تقيمون مستوى الأطفال خلال البطولة العربية لـ “روبوفِست”؟
المستوى تفاوت بين الجيد والممتاز، إلا أن بعض المشاريع المقدمة بدت متقدمة جدًا مقارنة بقدرات الطلبة، ما يشير إلى تدخل مباشر من المدربين أو مختصين في التنفيذ.
هذا أمر خاطئ، لأن الهدف من المسابقات هو تطوير مهارات الأطفال، لا الفوز فقط. معيار النجاح الحقيقي هو أن ينجز الطفل مشروعه بيده، وبفهمه، وأن يخطئ ويتعلم من التجربة.
ما أبرز التحديات التي تواجه الطفل العربي في هذا المجال؟
أكبر تحد هو غياب تعليم الروبوتيك والبرمجة عن المناهج الرسمية، واقتصاره على المراكز الخاصة أو الأنشطة اللا صفية.
لقد أصبحت هذه المهارات ضرورة، ولا بد من إدماجها تدريجيًا في التعليم المدرسي منذ الصفوف الأساسية، عبر خطط ممنهجة وشراكات ذكية بين القطاع التربوي والقطاع التقني.
ما دور الأسرة والمدرسة في دعم هذا التعليم؟
المدرسة يجب أن تمنح الروبوت مكانة داخل المنهج، وليس مجرد حصة اختيارية أو نشاط جانبي. أما الأسرة، فبعض أولياء الأمور لا يزالون يرون هذا التخصص نشاطا كماليا، وهو تصوّر بحاجة إلى تصحيح كما ان دعم الأهل لأبنائهم في هذا المجال قد يصنع فرقا كبيرا في مستقبلهم العلمي والمهني.
هل تعتقدون أن تعليم البرمجة سيصبح جزءًا أساسياً من مناهج التعليم في المستقبل؟
هذا هو المأمول، وقد بدأت بعض الدول العربية بالفعل بتدريس البرمجة في المدارس ضمن مناهجها الرسمية، إلا أن القليل من الدول تدمج برمجة الروبوت في مناهجها.
– كيف نواكب في العالم العربي هذا التحول التكنولوجي؟ وما المطلوب لتحقيق قفزة نوعية؟
المطلوب كما أسلفت أن يجري تعديل على مناهج الحاسوب منذ الصفوف المتدنية لتشمل تعليم ما يلي وبشكل بنائي:
– مهارات البرمجة سواء برمجة حل المشكلات أو برمجة التطبيقات.
– مهارات الذكاء الاصطناعي والروبوت.
– مهارات التصميم ثلاثي الأبعاد.
هل الروبوتات والذكاء الاصطناعي تهدد مستقبل الوظائف أم تخلق فرصًا جديدة؟
هذه الجدلية أخذت نقاشا واسعا لا طائل منه، فالروبوت والذكاء الاصطناعي أصبحا جزء من عالمنا ولا يمكن تجاهل أهميتها، وقد خلقت بالفعل تخصصات عديدة لا بد من الإنخراط بها، أو يظل عالمنا العربي في مؤخرة الدول وعندها لن ينفع الندم.
ما الفرق بين تعليم الذكاء الاصطناعي للأطفال وتعليم البرمجة فقط؟
هما مجالان مختلفان مع وجود ترابط بينهما البرمجة لحل المشكلات لا يمكن الاستغناء عنها وتعلمها ضروري لمن يريد تعلم الذكاء الاصطناعي والبرمجة الخاصة به
يرى ياسر جادالله أن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في الأدوات، بل في العقول القادرة على توظيفها بذكاء وابتكار. فالعالم لا ينتظر المترددين، ومن يُتقن البرمجة اليوم، هو من سيكتب خوارزميات الغد، ويقود مسارات التغيير.
وبين المدرسة التي تزرع، والأسرة التي تسند، وصانع القرار الذي يخطط، تقع المسؤولية الجماعية في بناء جيل لا يستهلك التكنولوجيا… بل يصنعها.
فاطمة الزهراء عسلون
























مناقشة حول هذا المقال