بعد قرار الجزائر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، وما يمثله من قرار سيادي، بعد المحاولات الاستفزازية والعدائية، وما أعقبها من تنبيهات وتحذيرات، وجهها الجانب الجزائري إلى الإمارات، وما تلاه من مواقف وردود أفعال، كان لنا هذا الحوار مع المحلل السياسي ورئيس رابطة الكفاءات الجزائرية بالخارج الدكتور محمد بن خروف، للحديث عن خلفيات القرار وأبعاده الاستراتيجية، وموقف الجزائر من السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
الجزائر تقرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات وغلق مجالها الجوي أمام كل الطائرات المرقمة بدولة الإمارات، كيف قرأتم هذا القرار السيادي؟
يأتي قرار قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، وغلق مجالها الجوي أمام كل الطائرات المرقمة بهذه الدولة، بعد عدة تحذيرات وتنبيهات وجهها الجانب الجزائري إلى الإمارات، التي تجاوزت حدودها فيما يسمى بالاستثمارات أو غطاء الاستثمارات في الدول العربية والإفريقية.
فالواجهة الرسمية لهذه الاستثمارات هي التعاون والأخوة ومبادئ التعاون العربي والإسلامي، لكن ما يخفى وراءها، حسب ما نراه، هو تدمير هذه الدول العربية والإفريقية، والتوغل في بنيتها التحتية والاجتماعية، بغية زعزعة استقرارها.
وقد تنبهت الجزائر إلى هذه المحاولات العديدة، التي مرت من خلالها الإمارات عبر مناوراتها، ومن خلال تحالفها مع قوى أخرى، على غرار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي والتقارب مع النظام المخزني.
وهذا الثلاثي رسم منهجية واستراتيجية لتدمير منطقة المغرب العربي ومنطقة الساحل، اللتين تزخران بكل المقومات التي يحتاجها العالم، من مقومات اقتصادية وطاقوية ومعدنية، إضافة إلى الذهب ومختلف المعادن الأخرى.
وهذا ما تريده الإمارات، حسب هذا الطرح، من أجل نهب كل هذه الثروات دون حسيب أو رقيب
تعُرف الإمارات بالتدخل في أزمات وصراعات بعدد من الدول العربية والإفريقية، والمساهمة في تأجيج التوترات والاضطرابات، كيف تفسرون هذه الممارسات، وكيف ينبغي التعامل معها؟
قد يسأل سائل: كيف وصلت الإمارات إلى هذا الحد من التوغل داخل المجتمعات وحتى المؤسسات؟
هذا الوضع يعود في الجزائر إلى الحقبة الماضية، حين فُتحت الأبواب على مصراعيها أمام دولة الإمارات، بغية الاستثمار والتعاون، لكن سرعان ما تحولت، حسب هذا الطرح، إلى مستعمر استيطاني ثانٍ يستولي على الخيرات، ويحاول زرع الفتنة والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد.
وهذا ما اكتشفته الجزائر عندما دعمت هذه الدويلة الفصيلة الإرهابية لحركة الماك الانفصالية، إضافة إلى اطلاعها على شراء الذمم، وربما دعم كل معارض يحاول خلق الفتنة والبلبلة في الجزائر.
إذن، هذا ما تفطنت إليه الجزائر، وبعد عدة تحذيرات وتنبيهات، قررت أن تغلق الباب، مثلما يقول المثل المصري: «الباب اللي يجيك منه الريح، سده واستريح». وهذا ما فعلته الجزائر.
كما ذكّرت بالجرائم التي اقترفتها الإمارات، والتي أصبح العالم اليوم يندد بها، على غرار ما حدث في ليبيا، حيث تواصل دعمها لقوات حفتر، حسب ما يُطرح، من أجل إبقاء ليبيا في حالة انقسام وضعف، والاستفادة من طاقاتها من طرف الدول الأجنبية، من دون ثمن، أو من دون أن يحدد الليبيون مصيرهم.
ناهيك عن تشاد والكونغو، وكذلك دول الساحل، وكل هذا يدخل ضمن مشروع استراتيجي ممنهج للاستيطان الثاني للإمارات العربية، التي تعتبر، حسب هذا الطرح، دولة وظيفية في يد الكيان الإسرائيلي، وكذلك في يد الكيان الاستيطاني الاستعماري الجديد.
ما الذي يجعل الإمارات تقوم بكل هذه الأعمال التخريبية بكل من السودان و ليبيا و اليمن، كما يطلق بعض المحللين على الإمارات و المخزن بالدول الوظيفية الى اي مدى ينطبق هذا المفهوم عليهم ؟
كما عُرف عن هذه الدولة، فإنها، عوض أن تساهم في تعاون حقيقي واستراتيجي بين الدول العربية، بحكم امتلاكها المال وقدرتها على توظيفه في استثمارات حقيقية، توظف هذا المال في تخريب هذه الدول، وبالتالي تمهّد الطريق أمام الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة، وأيضًا أمام تفشي المظاهر الإجرامية داخل البلد الواحد، وكذلك داخل المنطقة، كمنطقة الساحل.
وبالتالي، أصبح من الضروري جدًا توقيف هذه الدولة الوظيفية، على غرار المخزن والكيان الإسرائيلي، الذين لا ينطبق عليهم، حسب هذا الطرح، أي مفهوم لاحترام القوانين الدولية الشرعية.
وبناءً على ذلك، بات من الأجدر قطع العلاقات، وقد حذا حذو الجزائر، حسب ما أطرحه، العديد من الدول، على غرار الصومال وإريتريا وقطر، إضافة إلى دول أوروبية نددت بالسياسة التي انتهجتها دولة الإمارات من أجل فرض هيمنتها في الشرق الأوسط.
وقد نجحت، إلى حد كبير، في تقسيم دول الشرق الأوسط وإفريقيا، خاصة الدول التي تمتلك مقومات صناعية وطاقوية ومعدنية، كما نجحت إلى حد بعيد في إثارة الأزمات والانقلابات العسكرية وما إلى ذلك.
وبالتالي، أصبحت الإمارات اليوم الشغل الشاغل لكل من يريد الحفاظ على استقراره، وتحصين نفسه من خطر هذا السرطان الذي بدأ من الشرق الأوسط، ويستمر إلى أن وصل إلى أدغال إفريقيا.
أين دور المنظمات الدولية والإقليمية في كبح هذه الممارسات المنتهكة للقانون وحقوق الشعوب و سيادة الدول؟
أما إذا تحدثنا عن القانون الدولي وحقوق الشعوب وسيادة الدول، فإن هذه الدول المارقة، حسب هذا الطرح، لا تعترف بهذه المبادئ، بحكم أنها تؤمن بمنطق القوة والمال.
ففي اعتقادها، تستطيع بالمال أن تهيمن على كل الدول، وأن تشتري الذمم والأحزاب والحكومات ورؤساء الحكومات، وحتى القضاة وما إلى ذلك.
لكن هذه الفرضية لا يمكن أن تكون محل مساومة أو تطابق مع العالم الذي أصبح اليوم يفرض منطقًا آخر، خاصة بعد الاعتداءات والجرائم الإنسانية التي اقترفها ولا يزال يقترفها الكيان الإسرائيلي في حق الشعب الفلسطيني، وما يقترفه النظام المخزني في حق الشعب الصحراوي، وما يُنسب إلى النظام الإماراتي من ممارسات في حق الشعبين الليبي والسوداني، والصومال التي قُسمت، إلى جانب دول أخرى.
إذن، حان الوقت اليوم لقيام تحالف دولي للدول التي تحافظ على استقرارها وسيادتها، ضد هذه المشاريع والمشروع الاستيطاني الممنهج الجديد الذي يستهدف دولًا عديدة، من بينها الدول المحورية، على غرار الجزائر.
فالجزائر أثبتت أنها دولة محورية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لأنها استطاعت أولًا الصمود أمام كل محاولات زعزعة استقرارها، ومحاولات نشر الفتنة والبلبلة فيها، ودعم الفصائل أو الحركات الانفصالية، وكذلك دعم بعض الشخصيات التي يُبنى عليها أو يُحاول أن يُصنع منها شخصيات معارضة. كل هذا تفطنت إليه الجزائر، ووضعت حدًا لهذه الألاعيب اللاأخلاقية، وأصبحت ترى أن استمرار العلاقات مع هذه الدولة المارقة ليس ضروريًا.
علمًا بأن الجزائر هي التي أسست هذه الدولة، من خلال المساعدة التي طلبها الشيخ زايد آنذاك من الرئيس الراحل هواري بومدين، لبناء اقتصاد الإمارات وتأميم الطاقة والبترول الإماراتي.
حيث أرسل الرئيس الراحل هواري بومدين الشاب الجزائري حمودي، من سكيكدة، رفقة أصدقائه، لتأسيس الشركة النفطية الكبرى للإمارات، والمساهمة في تموقعها على مستوى الشرق الأوسط كمصدر ومنتج للبترول والطاقة.
وبالتالي، فإن كل هذا غفلت عنه الإمارات، وأصبحت اليوم تكشر عن أنيابها ضد الجزائر.
والجزائر أكبر من كل هذه الدول، وخير دليل على ذلك تاريخها المترامي عبر العصور، الذي يشهد على ذلك، وتضحيات شعبها أيضًا تشهد على أن الجزائر واحدة موحدة، بشعبها وجيشها، ولا يمكن لأي قوة أن تفرق بين الشعب الجزائري أو تمس سيادة الجزائر.
فالسيادة في الجزائر خط أحمر، وكل من حاول العبث بها، فمصيره أن يلقى حتفه، لأن الشعب جيش والجيش شعب.
أجرت الحوار يمينة سادات























مناقشة حول هذا المقال