-
فرنسا كانت عدوة للحرية صديقة للإبادة والفناء
-
لابد أن يعيها شباب الجزائر اليوم و يعمل على بناء وطنه تحت شعار “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء“.
-
كل التضحيات كانت من أجل أن تبقى الجزائر واحدة موحدة قوية متلاحمة متراصة الصفوف سيدة مستقلة
-
يوما تاريخيا في الذاكرة … وسلمية جزائرية تؤكد التمسك بالحرية
تظل مجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس محطة بارزة في تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية، و شاهدا على تضحيات الجزائريين في سبيل استرجاع الحرية والسيادة الوطنية، بعدما خرج المهاجرون الجزائريون في مظاهرات سلمية رفضا لسياسة القمع وحظر التجول الذي فرضته السلطات الفرنسية عليهم ، ليواجهوا حملة من العنف والقمع خلفت شهداء وجرحى ومفقودين.
وفي الذكرى الخامسة والستين لهذه الأحداث، نسلط الضوء على دلالاتها التاريخية والوطنية، وجرائم الاستعمار الفرنسي وانعكاساتها على مسار الثورة التحريرية المجيدة، إلى جانب أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية ونقل حقيقة هذه المجازر إلى الأجيال الجديدة، من خلال هذا الحوار مع الدكتور مصطفى عبيد، أستاذ التاريخ الحديث و المعاصر بجامعة محمد بوضياف بالمسيلة .
بداية أستاذ ماهي الدلالات التاريخية والوطنية لذكرى 17 أكتوبر 1961، وما الذي يمثله هذا اليوم في الذاكرة الجزائرية؟
مجازر 17 أكتوبر 1961 محطة هامة في تاريخ نضال الشعب الجزائري من اجل استعادة سيادته واستقلاله وصناعة مستقبله بيده.
فهي يوم من أيام الجزائريين الخالدة التي صنعها آباؤنا بروح سلمية فقدر لها أن تكتب بدماء من ذهب، دماء الأبرياء، دماء العزل، دماء اهل الحق في مواجهة الباطل والاستعمار وشراسته و عدوانيته التي فاقت تصورات ألد الخصوم.
وربما أول دلالة تاريخية ووطنية لها هي أن المهاجرين الجزائريين بفرنسا أعلنوا تمسكهم بحريتهم في مواجهة حظر التجول الذي فرضته عليهم سلطات إدارة باريس بإصرار من الإدارة العليا في البلاد ديغول ووزير داخليته روجي فراي وكذا محافظ شرطة باريس موريس بابان.
اما الدلالة الثانية فربما هي مواصلة الجزائريين دعمهم للثورة فبعد ان كان الدعم من داخل فرنسا يتمثل في المساعدات المالية والمعنوية على الخصوص انتقل بفعل هذه المجازر إلى التعبير عن الدعم الملموس بالروح والدماء الذي يعبر عن تمسك الجزائريين بوحدتهم وحريتهم وأرضهم.
وأن الجزائريين لن يصمتوا ولن تكمم أفواههم لا بقوة الحديد ولا بقوة النار، وإنما هم يد واحدة وجسد واحد على من عاداهم وأراد سلبهم حريتهم، والدلالة الثالثة هي تعبير المهاجرين الجزائريين على أنهم مجاهدون من داخل فرنسا ذاتها من خلال التفافهم حول الولاية السابعة للثورة الجزائرية بفرنسا وانهم يد واحدة في نصرة الثورة الجزائرية ولا مجال للتخويف الذي تمارسه فرنسا ضدهم، فهم سائرون في طريق الثورة والجهاد حتى تحقيق إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة.
ومن خلال ذلك، يمكننا القول ان مجازر 17 أكتوبر 1961 تمثل يوما تاريخيا في الذاكرة الجزائرية، فهو تعبر عن سلمية الجزائريين وتمسكهم بحريتهم بروح حضارية راقية من جهة، كما تعبر عن سقوطهم شهداء أمام غطرسة الآلة الأمنية الفرنسية. فهي افتخار برقي وتحضر آبائنا وأجدادنا وألم في الوقت نفسه على تلك المجازر التي لحقت بالمتظاهرين المسالمين.
كيف كشفت مجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس عن الوجه الحقيقي للاستعمار الفرنسي، وما أبرز الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها فرنسا بحق المتظاهرين الجزائريين؟
مجازر 17 أكتوبر 1961 لم تكن مجازر عادية أو عفوية، وإنما كانت مجازر مخطط لها بسبق الإصرار والترصد من طرف أجهزة الدولة الفرنسية السياسية والأمنية بدء برئيس الجمهورية الفرنسية ديغول ومرورا بموافقة وزير داخليته روجي فراي وانتهاء بمحافظ شرطة باريس الذي أصدر أوامر التقتيل واستعمال العنف في أقصى درجاته.
وتلك هي حقيقة الإدارة الاستعمارية الفرنسية، فتاريخ الاستعمار الفرنسي يشهد انه لم يكن يوما صديقا للحرية والحضارة التي يتشدق بها. فقد كان شبيها تماما بالقيصرية التي كان يحاربها ظاهرا والتي كان يصفها بقوله: “الاستبداد بالداخل، والعدوانية بالخارج” فكذلك فعلت فرنسا مع أبناء مستعمراتها عموما ومع الجزائريين خصوصا، فقد كانت عدوة للحرية صديقة للإبادة والفناء. وقد صدق الشاعر الشابي في وصفها بقوله:
ألا أيها الظالمُ المستبدُّ *** حبيب الفناء عدو الحياة
سخرت بأنّات شعب ضعيف *** ويدك مخضوبة من دماه
وعشت تدنّس سحر الوجود *** وتبذر شوك الأسى في رباه
رويدك، لا يخدعنك الربيع *** وصحو الفضاء وضوء الصباح
ففي الأفق الرحب هول الظلام *** وعصف الرعود وقصف الرياح
حذار، فتحتَ الرماد اللهيبُ *** ومن يبذر الشوك يجني الجراح
فكانت مجازر 17 أكتوبر 1961 إعلانا عن دموية الإدارة الفرنسية الرسمية التي تجاوزت القوانين والأعراف الدولية وسخرت ترسانة أدواتها السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية من أجل إبادة الجزائريين الذين خرجوا في تظاهرة سلمية. فكان أول انتهاك من الإدارة الفرنسية هو عملها على تجفيف منابع الثورة التحريرية المتمثل في مجالات عديدة أهمها هنا لقاءات الوطنيين الجزائريين وتنسيقهم دعما للثورة التحريرية والقضية الجزائرية، فافتعلت فرنسا لذلك مخرجا متمثلا في إعلان حالة الطوارئ و حظر التجول الذي تم فرضه بالقوة على الجزائريين الذيم منعوا من الخروج ليلا. وقد كان الليل بالنسبة للجزائريين في هذا النهار الخريفي القصير فرصة للتزاور والقيام بالواجبات الحياتية المختلفة لن وقت العمل يستمر إلى ما يقارب غروب الشمس. أما الانتهاك الثاني فكان قصر حظر التجول على الجزائريين دون غيرهم وهو ما أثار حفيظة المهاجرين الجزائريين فثاروا على القرار الظالم. وكانت ثالثة الأثافي، كما يقال، في الانتهاك الثالث الذي تمثل في قرار السلطات الأمنية الفرنسية بباريس عن طريق محافظ الشرطة موريس بابان المتمثل في السماح لقوات الأمن باعتقال المتظاهرين وتقتيلهم من خلال مفاجأتهم باستعمال العنف ضدهم ورميهم بوادي السين، مما أدى إلى سقوط العديد من الشهداء تجاوزا الـ 300 شهيدا، و7000 جريحا، و800 شخص مرمي في نهر السين بباريس.

ما أهمية مجازر 17 أكتوبر 1961 في مسار الثورة التحريرية الجزائرية، وما انعكاساتها على الصعيدين السياسي والدولي؟
بفعل مظاهرات 17 أكتوبر 1961، وبناء على ما سبقها من أحداث الثورة وانتصارات الديبلوماسية الجزائرية من خلال جهود الحكومة المؤقتة الثالثة برئاسة بن يوسف بن خدة واصل الشعب الجزائري تمسكه بالحرية من خلال مظاهراته يوم 01 نوفمبر 1961 ليؤكد للعالم أجمع أنه مؤيد ومتضامن لمظاهرات 17 أكتوبر 1961، وأنه رهن إشارة الحكومة المؤقتة التي هي الممثل الوحيد لمطالبه المشروعة في استرجاع سيادته المسلوبة منذ 1830. كما واصل تظاهره وتحدياته للعنف الفرنسي ودمويته فجسّد ذلك في مظاهرات 27 فيفري 1962 بورقلة و11 – 13 مارس 1962 بالطيبات بورقلة أيضا، متمسكا برفض فصل الصحراء عن الجزائر ومتمسكا أيضا بالحكومة المؤقتة ومدّها بالقوة الشعبية اللازمة لفرض شروطها عن ديغول والوفد الفرنسي المفاوض. وهو ما اضطر فرنسا إلى القبول صاغرة باستكمال المفاوضات المتوقفة. فتواصلت اللقاءات بلقاء بال الثاني في نوفمبر 1961، ثم لي روس فيفري 1962، وأخيرا اتفاقيات إيفيان الثانية 07 إلى 18 مارس 1962. والتي نصت على إعلان وقف إطلاق النار في اليوم الموالي 19 مارس 1962 الذي انتهى إلى تعيين الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الرحمن فارس (حكومة روشي نوار) التي انتهت إلى تسيير المرحلة الانتقالية وتنظيم الانتخابات وإعلان الاستقلال المصادف ليوم 05 جويلية 1962 فأمضت فرنسا على ذلك وهي صاغرة، بعد أن كانت قد فرطت في إفريقيا كلها من أجل الاحتفاظ بالجزائر.
بعد مرور 65 سنة على هذه الأحداث، كيف تقيمون جهود الحفاظ على الذاكرة التاريخية؟ وما أهمية نقل حقيقة هذه المجازر إلى الأجيال الجديدة في ظل استمرار ملف الذاكرة؟
في حقيقة الأمر ان ملف الذاكرة ملف ثقيل وواسع، وهذه المجازر هي إحدى حلقاته الهامة لما لها من تعبير عن التضحيات الجسيمة للشعب الجزائري من اجل استعادة سيادته واستقلاله المسلوب منذ 05 جويلية 1830. وبالتالي فالجهود حاليا متواصلة منذ مجيء سيادة الرئيس عبد المجيد تبون على هرم السلطة في البلاد من أجل إحياء الذاكرة وما تعلق بها والمحافظة عليها. فتم الإعلان عن اليوم الوطني للذاكرة بمناسبة الذكرة الخامسة والسبعين لمجازر الثامن ماي 1945 (2020) وهو اليوم المصادف لـ 08 ماي من كل سنة. كما أسس لجنة الذاكرة التي تعمل حاليا على ملف الذاكرة وقد قامت بلقاءات عديدة مع نظيرتها الفرنسية. وهي اللجنة (الجزائرية) التي تعمل عملا جبار حاليا من أجل التمكين لحفظ الذاكرة الوطنية. كما تم استعادة جماجم الكثير من الشهداء الجزائريين وعلى رأسهم قادة المقاومة الوطنية المسلحة خلال القرن التاسع عشر بالخصوص. هذا وقد تم أيضا استعادة كم هام جدا من الأرشيف الجزائري والخرائط الهامة. في انتظار المزيد من الإنجازات في مجال الذاكرة التي تسير على قدم وساق ووفق عمل منظم وجلسات عديدة. وهو العمل الذي يجعل ملف الذاكرة في متناول جيل اليوم، أو جيل الشباب. فتصل إليه رسالة الآباء واّلأجداد في قوتها وفي أهدافها وفي معالمها الكبرى المبنية على أن الأرض الجزائرية أرض مقدسة طاهرة مسقية بدماء الشهداء محروسة برضا الله ورضوانه وجهاد علمائها. وأن الجزائر ليست فرنسا ولن تكون فرنسا.
فهذه الرسائل هي التي ينبغي ان تصل إلى فئة الشباب اليوم، وهي التي لابد أن يعيها شباب الجزائر اليوم وأن يعي أن كل تلك التضحيات كانت من أجل أن تبقى الجزائر واحدة موحدة قوية متلاحمة متراصة الصفوف سيدة مستقلة لا ينازعها سيادتها أحد. وأن يعمل على بنائها تحت شعار “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”.
أجرت الحوار يمينة سادات
























مناقشة حول هذا المقال