على هامش فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، نظم البرلمان الجزائري بغرفتيه بالتعاون مع المحكمة الدستورية، اليوم الأربعاء، ندوة قانونية رفيعة المستوى، خصصت لمناقشة آليات تعزيز الرقابة الدستورية وتطوير العمل التشريعي، واستعراض دور المؤسسات الدستورية في تكريس مبدأ سمو الدستور وضمان الاستقرار القانوني والمؤسساتي، وذلك بمشاركة أعضاء من البرلمان والمحكمة الدستورية وإطارات ومهتمين بالشأن القانوني.
وشكلت الندوة فضاء للنقاش حول جملة من المسائل المرتبطة بصناعة القوانين والرقابة البرلمانية والإخطار الدستوري، إلى جانب طبيعة العلاقة بين البرلمان والمحكمة الدستورية، في ضوء المستجدات التي أقرها التعديل الدستوري لسنة 2020، وما حمله من آليات لتعزيز التوازن بين السلطات وتحسين أداء المؤسسات.
جودة التشريع والاستقرار القانوني في صلب الإصلاح الدستوري
أكد عضو مجلس الأمة، مراد لكحل، أن ترقية العمل البرلماني لا تقاس بحجم النصوص القانونية المصادق عليها أو سرعة إنتاجها، وإنما ترتبط أساسا بجودتها ودقة صياغتها ووضوح أحكامها ومدى انسجامها مع المنظومة القانونية وقابليتها للتطبيق.
وفي مداخلة بعنوان «صناعة القوانين وتحقيق الاستقرار التشريعي.. قراءة في تعديلات 2020 الدستورية»، أوضح لكحل أن التعديل الدستوري لسنة 2020 استحدث جملة من الآليات الرامية إلى تحسين صناعة القوانين، بدءا من المبادرة التشريعية والتحضير والدراسة التمهيدية، وصولا إلى المناقشة والتصويت والرقابة الدستورية والإصدار، مشددا على أن احترام ضوابط الصياغة القانونية، لاسيما الدقة والوضوح والتناسق، يمثل ضمانة لتعزيز الأمن القانوني والحد من التضخم التشريعي والتعديلات المتكررة.
وتوقف المتحدث عند عدد من الأحكام الدستورية، من بينها المادتان 114 و119 المتعلقتان بالمبادرة التشريعية وإجراء الاستعجال، والمادة 137 الخاصة بدور اللجان البرلمانية والبعثات الاستعلامية، إلى جانب المواد 139 و140 و143 و145، التي تضبط مجالات تدخل البرلمان ومراحل إعداد القوانين ومناقشتها بين غرفتيه، فضلا عن الرقابة على القوانين العضوية.
كما أبرز أهمية إنشاء المحكمة الدستورية وتوسيع نطاق الدفع بعدم الدستورية، وفق المادة 195، بما يسمح للأطراف في النزاعات القضائية بإثارة مسألة عدم دستورية الأحكام التي يتوقف عليها مآل النزاع، عن طريق المحكمة العليا أو مجلس الدولة.
وفي سياق متصل، نبه لكحل إلى ضرورة التوفيق بين سرعة المصادقة على النصوص التشريعية وجودتها، معتبرًا أن الإفراط في اللجوء إلى إجراء الاستعجال قد يقلص الوقت المخصص للدراسة والمناقشة، ليخلص إلى أن فعالية الإصلاحات الدستورية تبقى مرتبطة بالتطبيق الفعلي للضمانات التي أقرها الدستور، واعتماد الكيف بدل الكم في صناعة القوانين.
ومن جهته، تناول عضو مجلس الأمة، مبروك دريدي، موضوع الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة، مؤكدًا أنها آلية أساسية لمتابعة الأداء التنفيذي وتقييم مدى تنفيذ البرامج والالتزامات الحكومية، فضلًا عن المساهمة في تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء المؤسساتي.
وأشار إلى أن المادة 115 من دستور 2020 كرست صراحة حق البرلمان في مراقبة عمل الحكومة، فيما عززت المادة 116 مكانة المعارضة البرلمانية ومنحتها حقوقًا وآليات تسمح لها بالمشاركة في الأشغال البرلمانية وممارسة دورها الرقابي.
وأوضح دريدي أن أدوات الرقابة تشمل مناقشة بيان السياسة العامة ومخطط عمل الحكومة، والأسئلة الكتابية والشفوية، فضلا عن لجان التحقيق والبعثات الاستعلامية المؤقتة، التي تتيح الوقوف على واقع تنفيذ البرامج ونقل الانشغالات والاختلالات المسجلة إلى الجهات المعنية.
وشدد على أن الرقابة البرلمانية تقوم على مبدأي التقييم والتقويم، من خلال مقارنة النتائج المحققة بالأهداف المسطرة، والعمل على معالجة النقائص والعراقيل التي تحول دون تنفيذ الالتزامات، مبرزا في المقابل أهمية الرقابة المجتمعية باعتبارها مكملة للرقابة المؤسساتية في نقل انشغالات المواطنين وتعزيز ثقافة الحوار وقبول الرأي الآخر.
الإخطار البرلماني وتكامل المؤسسات لحماية سمو الدستور
وفي محور الرقابة الدستورية، أكد النائب بالمجلس الشعبي الوطني، محمد زغو، أن الإخطار البرلماني يمثل إحدى الوسائل الأساسية لتفعيل الرقابة على دستورية القوانين، وتمكين المحكمة الدستورية من أداء دورها في ضمان احترام الدستور وحماية الحقوق والحريات.
وأوضح أن التعديل الدستوري لسنة 2020 عزز هذه الآلية من خلال تخفيض النصاب المطلوب لممارسة حق الإخطار، من 50 نائبا أو عضوا بمجلس الأمة، وفق ما كان معمولا به في دستور 2016، إلى 40 نائبا بالمجلس الشعبي الوطني و25 عضوا بمجلس الأمة، بما يوسع فرص اللجوء إلى الرقابة الدستورية.
كما استعرض مجالات الإخطار، التي تشمل الرقابة على دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات، ومدى توافق النصوص مع المعاهدات، فضلا عن تفسير أحكام الدستور والفصل في بعض الخلافات بين السلطات والمؤسسات الدستورية، معتبرا أن تسهيل ممارسة هذا الحق يعزز دور ممثلي الشعب في الدفاع عن الحقوق والحريات وترسيخ دولة القانون.
ومن جانبه، أبرز عضو المحكمة الدستورية، بوزيان عليان، طبيعة العلاقة بين المحكمة الدستورية والبرلمان، مؤكدًا أنها تقوم على التأثير الوظيفي المتبادل وتكامل الأدوار، باعتبار أن المحكمة تمارس الرقابة على العمل التشريعي، في حين يحدد البرلمان الإطار القانوني والدستوري الذي تمارس ضمنه هذه الرقابة.
واستحضر المتحدث تصورات الفقيه الدستوري هانز كيلسن، الذي ميز بين المشرع الإيجابي، المتمثل في البرلمان، والمشرع السلبي، المتمثل في المحكمة الدستورية، التي تتولى إلغاء النصوص المخالفة للدستور دون الحلول محل السلطة التشريعية في وضع القوانين، كما شبه العلاقة بين المؤسستين بمصنع لإنتاج القوانين وجهاز لمراقبة جودتها.
وتطرق عليان كذلك إلى صلاحيات المحكمة الدستورية في مراقبة نتائج الانتخابات التشريعية والفصل في الطعون الانتخابية، بما في ذلك تصحيح الأخطاء المادية وإلغاء بعض النتائج أو تعديلها وفق الحالات والإجراءات القانونية، إلى جانب اختصاصاتها المتعلقة بالطعون في قرارات لجنة مراقبة تمويل الحملات الانتخابية، وفقًا للمادة 121 من الأمر 21-01 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات.
كما أشار إلى أوجه التأثير المتبادل بين المؤسستين، من خلال إعداد البرلمان القوانين العضوية المنظمة للإجراءات المرتبطة بالإخطار والإحالة أمام المحكمة الدستورية، مقابل خضوع الأنظمة الداخلية لغرفتي البرلمان وبعض النصوص المنظمة للعلاقات بين البرلمان والحكومة لرقابة المحكمة الدستورية.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال