حمل العدد 66 من الجريدة الرسمية، الصادر في 13 سبتمبر 2026، مرسومين رئاسيين يجمع بينهما خيط واحد هو حسن توظيف الموارد المالية في الأول والبشرية في الثاني.
فقد أقر المرسوم الرئاسي رقم 26-278 المؤرخ في 23 أوت 2026 تحويل اعتماد قدره مليار وتسعمائة مليون دينار إلى وزارة السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية، أما المرسوم رقم 26-293 المؤرخ في 7 سبتمبر 2026 فأنشأ مجلسا أعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، هيئة استشارية توضع لدى رئيس الجمهورية، وهكذا يجمع العدد بين قرار مالي تقني وقرار مؤسساتي بأفق استراتيجي.
تحويل مالي من الاحتياطي إلى قطاع السكن
يتضمن المرسوم 26-278 تحويل اعتماد ضمن ميزانية الدولة لسنة 2026، ويوضع تحت تصرف وزير السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية، وبحسب مادته الأولى، يلغى من الاعتمادات المفتوحة بموجب قانون المالية لسنة 2026 مبلغ 1.900.000.000 دج، كرخص التزام واعتمادات دفع، وكان هذا المبلغ مقيدا في “الاعتمادات المالية غير المخصصة”، وتحديدا في الباب السابع المسمى “نفقات غير متوقعة”، ويسيره وزير المالية.
وتنص المادة الثانية على تخصيص المبلغ نفسه للسنة ذاتها، رخصة التزام واعتماد دفع، ويقيد في البرنامج “التجهيزات العمومية”، وفي البرنامج الفرعي “التجهيزات العمومية للأمن والصحة”، وفي الباب الثالث “نفقات الاستثمار”، ضمن محفظة برامج وزارة السكن، وتكلف المادة الثالثة وزير المالية ووزير السكن كلا فيما يخصه بتنفيذ المرسوم، الذي يُنشر في الجريدة الرسمية.
ويستند النص إلى الدستور، ولا سيما المادتين 91-7 و141 (الفقرة الأولى)، وإلى القانون العضوي 18-15 المتعلق بقوانين المالية، والقانون 25-17 المتضمن قانون المالية لسنة 2026، وإلى المرسومين التنفيذيين 26-28 و26-39 المؤرخين في 7 يناير 2026 اللذين وزعا رخص الالتزام واعتمادات الدفع المفتوحة بعنوان ميزانية الدولة.
ولا يحدد المرسوم المشاريع أو العمليات التي سيمولها هذا الاعتماد، ويكتفي بتسجيله في برنامج للتجهيزات العمومية ذي بعد أمني وصحي داخل محفظة القطاع، وتبقى تفاصيل الصرف رهينة القرارات التنفيذية اللاحقة لوزارة السكن.
مجلس أعلى يربط العقول المهاجرة بمسار التنمية
وفي مقابل هذا التحويل المالي، يحمل المرسوم 26-293 بعدا مؤسساتيا أوسع، فقد أنشأ مجلسا أعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، يدعى في صلب النص “المجلس”، وحدد مهامه وتشكيلته وتنظيمه في 31 مادة موزعة على خمسة فصول، وتصفه المادة الثانية بأنه هيئة استشارية توضع لدى رئيس الجمهورية، وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ويقع مقرها بولاية الجزائر.
وتكلف المادة الثالثة المجلس بتقديم المشورة العلمية والتكنولوجية التي تعبر عن خبرات الجالية العلمية في كافة المجالات ذات الصلة بمحاور التنمية الوطنية، ومن مهامه الإسهام في تعزيز مشاركة الكفاءات الوطنية بالخارج، واقتراح آليات مستدامة لربطها بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ويقدم كذلك رؤى ومقترحات حول المشاريع ذات الأهمية الوطنية، سواء بادرت بها الدولة أو اقترحها المجلس، ويسهم في تقييم جدواها العلمية والتكنولوجية.
كما يسهم في تطوير المنظومة الوطنية للتعليم العالي والبحث بما يتوافق مع المعايير الدولية، وفي التحول نحو اقتصاد المعرفة، ويشارك في تبادل المعرفة واليقظة الاستراتيجية حول التكنولوجيات المتطورة، ويعزز الحوار العلمي الوطني والدولي، وينظم اجتماعات ومحاضرات في إطار مهامه، وهذا التعداد يجعله أقرب إلى شريك في التفكير الاستراتيجي منه إلى مجرد جهة تستشار عند الحاجة.
أربعون عضوا وعهدة من ثلاث سنوات
تحدد المادة الرابعة تشكيلة المجلس برئيس وتسعة وثلاثين عضوا، أي أربعين شخصا، على النحو التالي:
ثلاثون عضوا يختارون من بين الكفاءات العلمية الوطنية بالخارج، على أساس الوزن العلمي الدولي والتخصصات الاستراتيجية.
ستة أعضاء يمثلون الوزارات المكلفة بالدفاع الوطني والشؤون الخارجية والمالية والتعليم العالي والبحث العلمي والصحة واقتصاد المعرفة.
ثلاثة أعضاء مسيرون جزائريون لمؤسسات اقتصادية موطنة بالخارج تسهم في البحث التطويري والابتكار.
ويعين رئيس المجلس بمرسوم رئاسي لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، من بين الكفاءات العلمية والتكنولوجية، بناء على اقتراح الوزير المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي وبالتشاور مع الوزير المكلف بالشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، ويعين الأعضاء بالإجراءات والمدة نفسيهما، وإذا شغر منصب عضو عين بديل له للفترة المتبقية من العهدة.
وتقضي المادة السابعة بأن العضوية دون مقابل مالي، وتلزم المادة الثامنة الأعضاء بواجب التحفظ والسرية التامة، واحترام القواعد الأخلاقية والمؤسساتية، ولا سيما ما تعلق بتضارب المصالح والاستقلالية والحياد.
ويتألف المجلس من خمسة أجهزة هي الرئيس والجمعية العامة والمكتب واللجان المتخصصة والأمانة، مع إمكانية إنشاء أفواج عمل، ويتولى الرئيس الإدارة العامة، ويمثل المجلس وطنيا ودوليا وأمام القضاء، ويعين المستخدمين، ويكون الآمر بالصرف الرئيسي، ويرفع سنويا تقريرا عن النشاطات إلى رئيس الجمهورية بعد مصادقة الجمعية العامة.
والجمعية العامة، التي تضم كل الأعضاء، هي الهيئة العليا المقررة، تعد النظام الداخلي وتصادق عليه في دورتها الأولى، وتحدد برنامج النشاطات، وتتداول في التسيير المالي والميزانية التقديرية.
وتجتمع مرتين في السنة في دورة عادية، ويمكن عقد دورة غير عادية بمبادرة من الرئيس أو ثلثي الأعضاء، ويجوز عقد الدورات بتقنية التحاضر المرئي عن بعد، وهو تفصيل يراعي تشتت الأعضاء جغرافيا، ولا تصح الاجتماعات إلا بحضور ثلثي الأعضاء، فإذا لم يكتمل النصاب استدعيت الجمعية لاجتماع آخر بعد ثمانية أيام وصحت مداولاتها مهما كان عدد الحاضرين.
وتتخذ القرارات بأغلبية الحاضرين، وعند تساوي الأصوات يرجح صوت الرئيس، ويتشكل المكتب من الرئيس وخمسة نواب تنتخبهم الجمعية العامة، وتسير الأمانة أمين عام يعين بمرسوم رئاسي.
تمويل من الدولة ورقابة مالية صارمة
يتقاطع المرسومان عند البعد المالي، وإن اختلف موضوعاهما، فالفصل الخامس من المرسوم 26-293 يلزم الدولة بوضع الموارد البشرية والوسائل المادية والمالية الضرورية تحت تصرف المجلس، ويخضع مستخدموه للقانون الأساسي العام للوظيفة العمومية. وتتكون ميزانيته من باب للإيرادات يضم إعانات الدولة والجماعات المحلية والهبات والوصايا وفق التشريع، وباب للنفقات يشمل المستخدمين وتسيير المصالح والاستثمار.
وتسجل اعتمادات المجلس في محفظة برامج رئاسة الجمهورية، وتمسك محاسبته وفق قواعد المحاسبة العمومية على يد محاسب يعين لهذا الغرض، ويمارس مراقب ميزانياتي يعينه الوزير المكلف بالمالية الرقابة المالية على نفقاته.
وتلزم المادة 24 القطاعات الوزارية والهيئات والمؤسسات العمومية بتزويد المجلس بالمعلومات والتقارير والمعطيات الإحصائية الضرورية، وتدرج توصياته الموجهة إلى الهيئات المعنية في تقريره السنوي.
وبذلك يلتقي المرسومان في احترام القواعد المالية، فالأول يحول اعتمادا وفق أحكام قانون المالية والقانون العضوي المنظم له، والثاني يدخل هيئة جديدة ضمن الإطار المحاسبي والرقابي للدولة.
وسيتحدد الأثر الفعلي للنصين بما يلي: مشاريع وزارة السكن التي سيصرف عليها الاعتماد، والنظام الداخلي الذي ستعده الجمعية العامة للمجلس في دورتها الأولى، والأسماء التي ستُعيَّن في تشكيلته، ومدى تفاعل المؤسسات العمومية مع توصياته.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال