بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، الذكرى العظيمة والغالية، تستوقفنا جملة من المبادئ والقيم الرسالية
للنظر والتأمل مقارنة بمكانة هذه القيم في واقعنا، ومستوى الاقتداء بالمنهج النبوي في حياتنا الاجتماعية،
وللحديث عن هذه المسائل الجوهرية، كان لنا هذا الحوار مع الأكاديمي والخبير في مجال الاعلام
الدكتور بدر الدين زواقة وهذا نصه:
نستقبل هذه الأيام ذكرى عظيمة وغالية وهي ذكرى المولد النبوي الشريف،
ماهي أبرز الدلالات التي تحملها هذه المناسبة وما الذي ينبغي أن يستوقفنا أكثر؟
الاحتفال بالمولد النبوي، له الكثير من الدلالات الرمزية في عالم الرمزيات، و في خيال الانسان المسلم،
اذ نعتقد ان سيدنا النبي عليه الصلاة و السلام الذي أرسله الله عز وجل، للناس كخاتم الأنبياء الرسل،
ليخرج البشرية من الوهم و الوهن و الطاغوت، الى الايمان و الرشد و التوكل على الله سبحانه وتعالى،
لصناعة انسان التزكية و العمارة و الشهادة، وله الكثير من الدلالات، إذ ان الاحتفال ليس بمسألة دينية أو تشريعية،
و ليست سنة في الأصل، لكن الأمر متعلق بالسيرورة الثقافية و الاجتماعية،
وتجليات تلك القيم التي أرسلها سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، ولهذا اعتقد ان الاحتفال ليس بمسألة تشريعية
بقدر ما هو مسألة ثقافية وأنثروبولوجية، وقد تكون لها أبعاد اقتصادية ولكن إذا بالغنا في هذه الأبعاد على حساب التشريع،
سنقع في البدع و التنميط، مثل ما يحدث في بعض الحالات في المجتمع الجزائري الذي يبالغ في الاحتفال و ينسى الدلالات المتعلقة بالجانب التواصلي و الثقافي و التنموي و الاقتصادي.
الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته ورسالته غير مجرى التاريخ، وهي رسالة خالدة
ومستمرة مع الزمن، كيف يمكن توصيف حملنا لميراث هذه الرسالة في هذه المرحلة التاريخية؟
ان رسالة محمد عليه الصلاة و السلام، تعتبر رسالة صناعة انسان الحضارة بامتياز، ولهذا اعتقد ان هذا الانسان العظيم
صلى الله عليه وسلم، الذي أخرج قريش من جاهليتهم الى عالم الايمان و الحضارة،
هنا لابد ان تبرز عبقرية النبي بين المصنفين ضمن العظماء، الذين غيروا التاريخ كـ “مايكل هارد”،
وضع سيدنا محمد في أول الأوائل لأنه غير الانسان، هنالك الكثير من غير في التاريخ و الجغرافيا و الفيزياء،
لكن نبينا عليه الصلاة و السلام، غير في الانسان القرشي المتعلق بالأصنام ورفعه الى ان يتعلق بعالم الأسباب و السنن،
ميراث محمد صلى الله عليه و سلم متجلي من خلال انتشار الإسلام و ديمومته الى ان يبعث الله الأرض ومن عليها.
كيف تقيمون حضور المنهج النبوي والأخلاق النبوية في حياتنا الاجتماعية وتعاملاتنا اليومية؟
حضور سيدنا النبي في حياة الناس، هو دليل على انهم متشبعون بمحمد صلى الله عليه وسلم،
من خلال تسمية أبنائهم و الصلاة عليه، واحترامه ولهذا تجد الفرد الجزائري و ان كان بسيطا أو أميا،
فإنه يريد ان يرى رسول الله في المنام، حتى الذي يراه في منامه يفتخر به و يعتقد انها بشرى،
و الحقيقة ان محمد عليه الصلاة و السلام، هو جزء من الكينونة الشخصية و السلوكية و الاجتماعية للمجتمع الجزائري،
ولكن للأسف تنمطت سيرة الني صلى الله عليه وسلم في حياتهم، فصار انتماء وليس اخلاق وليس تجليات في عالم المعاملات،
و للأسف عندما تضخمت الاحكام الشرعية على مستوى القيم، بمعنى ان محمد ننظر إليه انه حلال و حرام،
و الحقيقة انه مجموعة و منظومة من القيم و الاخلاق التي للأسف تركتها الامة،
ولهذا نرى ان الآفات الاجتماعية انتشرت و تفكك المجتمع ولكن الرجوع الى قيم سيدنا محمد هي الفارق.
الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين كما جاء في القرآن الكريم،
كيف نستجلي ونوضح هذه القيمة الإنسانية الكبرى، وما دورنا في ذلك؟
بالنسبة للمعجزات التي أتى بها محمد عليه الصلاة و السلام، فهو لم يأتي بالمعجزات الحسية التي جاء بها باقي الأنبياء،
بل برسالة او معجزة تواصلية ثقافية قيمية متعلقة بالقرآن الكريم، و لهذا عرف النبي صل الله عليه وسلم بالقرآن،
والمقصود به انه هو تلك المدونة الأخيرة التي فيها نجاة البشرية، ولهذا عندما نريد أن نتكلم بالقرآن
على انه مجموعة من الأحكام ومجموعة كبيرة من القيم و النظم و السنن،
ولهذا اعتقد ان منظومة القرآن متكاملة لا يمكن تجزأتها، بل نتعامل معها بأنساق
(التزكية، الأمانة، الشهادة، العمران الاخلاق ، التوحيد )، والمسلمون الآن يتعاملون كأيات وحروف
وهذا شيء جميل وليس حرام، لكن الأصل ان نتعامل مع القرآن كأنساق معرفية سياسية اقتصادية،
وهنا وقعت الأمة في الخلل، لما تعاملت معه بجزئيات معينة، ليكون منقذا للبشرية لا للقراءة و المسابقات
كما هو منتشر في وقتنا.
أمرنا المولى تعالى أن نتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في حياتنا،
ماهي المنهجية الصحيحة لتحقيق الاقتداء الحقيقي؟
حقيقة الاقتداء او الاتباع هو ان النبي صلى الله عليه وسلم، الهداية والنموذج الإنساني الكامل الذي نقتدي به،
نحن لا يمكننا ان نقتدي بالله والملائكة، فالله سبحانه وتعالى شاءت إرادته ان يجعل لنا رجل يأكل الطعام
ويمشي في الأسواق،تكون به القدوة.
والمقصود بالقدوة، هو استراتيجية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الكليات وليس في التفاصيل،
فالذي نشاهده عند الشباب المسلم، هو مبالغة في الاقتداء بالنبي في التفاصيل والجزئيات، وهذه ليست حرام،
لكن الأولى هو الاقتداء بالنبي في الاستراتيجيات، والتي تكمن في ثلاث محاور: التزكية الشهادة و الأمانة،
أمر الله سبحانه وتعالى النبي في القرأن الكريم هو التزكية ووظيفتها الانتباه لأمراض القلوب،
ثم الأمانة بمعنى ان نشعر كل انسان انه أمين ” إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” “سورة الأحزاب الآية 72 “،
ثم الشهادة وليس المقصود بها الموت، انما الحضور في عالم الشهود بمعنى ان نكون شهداء على الناس،
وكذا يجب ان نقتدي بالنبي في السنن الكونية و الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية.
محورية الانسان في صناعة التطور والحضارة حقيقة ثابتة على مدار التاريخ،
بماذا تميز أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الإنسان؟
تكمن رسالة سيدنا محمد في صناعة الانسان، من خلال الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية و السنن الكونية،
و الانسان هو المؤهل للتغيير الإيجابي من الضلال الى الرشد و من الظلام الى النور، ولهذا اعتقد اننا لابد ان نؤكد ان محور القرآن الكريم هو الانسان، بمعنى لو نعطي الفكرة الأساسية لكتاب الله سبحانه وتعالى هو الانسان، حتى النبوة جاءت لأجله، ولهذا كل ما سخره الله تعالى من آيات مقروءة و منظورة للإنسان الذي توقف على الملائكة الذين هم معصومون من خلال الإرادة و الاختيار لهذا الله سبحانه و تعالى قال “اني أعلم ما لا تعلمون”، حيث يستطيع الانسان ان يوحده اختيارا وإرادة، واستطاع ان يعمر الأرض بكل التكنولوجيات المعمارية و الثقافية و الاجتماعية.
الحديث عن الانسان يقودنا الى الحديث عن الشباب، كيف كان حضور هذه الفئة مع النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلتي الدعوة والدولة، وأسلوبه صلى الله عليه وسلم في رعايته للشباب؟
الحقيقة ان الحديث عن الشباب والفتوة كمصطلح قرآني، كلما ذكر الله سبحانه وتعالى الفتوة يذكر معها الابداع والقوة الإيجابية ولهذا اعتقد ان الشباب والفتوة محور التغيير فعلينا ان نستغل الفتوة والابداع من اجل القيم، ولهذا اعتقد ان تلك الإرادة متمثلة بالأساس بعد البلوغ، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم اهتم بالشباب، وقد نصره الشباب في كل المراحل السياسية ولاجتماعية، ولهذا للشباب دور مهم في التغيير ليس فقط للتسلية ولكن لصناعة الحضارة، لهذا الفتوة والشباب من أهم المراحل التي يجب ان نركز عليها.
المولد النبوي الشريف هو تذكير بالقيم والمبادئ التي جاء بها رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، من هذا المنطلق ما هو الاثر الذي لابد ان يتركه هذا الحدث في المجتمع الجزائري؟
ان المجتمع الجزائر من الشعوب القليلة التي تحتفل بالمولد النبوي بطريقة ملفتة جدا، وانه متعلق بهذه المناسبة وانه جزء من كينونته الثقافية، ولهذا تجد مبالغة تصل أحيانا الى الشطط و النشاز، الذي نجده في الاحتفالات وبعض الامور المنكرة والمبالغ فيها، كالمتفجرات، ولهذا اعتقد اننا نثمن هذا الارتباط الوثيق بالمولد النبوي، كما لدينا عمرة المولد النبوي الذي انفرد بها المجتمع الجزائري، بعد ذلك المجتمع المصري، لكن اعتقد ان المولد النبوي يجب ان يتحول الى مشروع مجتمع ثقافي تعليمي حتى لا نكتفي بالاحتفال ليوم واحد لان محمد صلى الله عليه وسلم مشروع حياة، صحيح نحن لانحرم ولا نبدع في المحتفل لكن ضرورة تحول هذه المناسبة الى مشروع مجتمع من خلال البرامج الثقافية و التعليمية وبذلك يكون له الأثر العميق على السلوك.

























مناقشة حول هذا المقال