الجزء الأول
تشغل المنظومة التربوية حيزا هاما من اهتمام بلدان العالم لما لها من مكانة وأهمية مميزة تتوقف عليها تقدم الدول، فالعلم كان وما يزال وقود ومحرك الحضارات، والأمة التي أعطت للمنظومة التربوية أهمية، حافظت على الريادة، وأثبتت مسايرتها للتقدم الحاصل في العالم.
ضمن هذا السياق، وعشية اجتياز أبناءنا لامتحانات نهاية السنة، حاولنا الوقوف على واقع قطاع التربية في بلادنا وعلى بعض الإشكاليات المطروحة في القطاع، وكيف ينبغي النهوض به وبالتالي تنمية وتطوير مختلف المجالات في المجتمع، فكان لنا هذا الحوار مع أحد أبرز الوجوه في هذا القطاع الحيوي في المجتمع كمربي وكفاعل نقابي وشريك اجتماعي في القطاع، انه الأستاذ صادق دزيري رجل التربية ورئيس الاتحاد الوطني لعمال التربية والتكوين.
“الاستعمار الفرنسي، عمل على إبادة المدرسة الجزائرية، لولا الشعاع الذي ظهر مع الفكر الإصلاحي”
المنظومة التربوية في الجزائر، لو حاولنا الوقوف على أهم المحطات الفاصلة في مسارها، بصفتكم أحد رجالات القطاع وصاحب تجربة في المجال، ماذا يمكن ان تقولوا بهذا الشأن؟
المسار طويل، لو رجعنا إلى التاريخ، أي قبل الاستعمار، فقد كانت الجزائر من الدول القليلة التي تنعدم فيها نسبة الأمية، وهذا خير دليل على مكانة العلم في المجتمع الجزائري، ولكن بعد دخول الاستعمار الفرنسي، وما تبعه من سياسة استدمارية، أبيدت المدرسة الجزائرية، باعتبارها جزء من الواقع أنذاك، لولا الشعاع الذي ظهر مع الفكر الإصلاحي وما تمخض عنه من مدارس التي أسسها الامام ابن باديس التي عملت على تثبيت مقومات الهوية الوطنية. وخلقت فضاء لمواجهة المدارس الفرنسية التي عملت جاهدة للقضاء على هذه المقومات.
بعد الاستقلال، أحصت الجزائر حوالي 3000 أستاذ وهذا العدد الضئيل ماكان يكفي للنهوض بالتعليم في مجتمع يعرف نسبة مرتفعة من الأمية، مما جعل الدولة الجزائرية آنذاك تستعين بأساتذة عن طريق البعثات العلمية من دول الشرق العربي.
في سنة 1976 صدرت أمرية لتكريس تعريب المدرسة الأساسية، واستمر العمل بهذه الأمرية إلى غاية التسعينات حين تم إصدار المناشير التسييرية، حين تقلد وزارة التربية والتعليم علي بن محمد وتم تحديد مهام الجماعة التربوية، إلى غاية إصلاحات بن زاغو سنة 1999.
وقد عرفت المدرسة الجزائرية عدة صراعات إيديولوجية بين دعاة الفكر التغريبي وبين من يصر على المحافظة على ثوابت الأمة رغم أن الدستور الجزائري فصل فيها.
وعلى الرغم ما قيل عن المدرسة الأساسية فالتاريخ يبرز ما قدمته من قدرات جزائرية أثبتت كفاءتها في مختلف المجالات، لذا فحسب رأيي فالمدرسة الجزائرية قدمت الكثير وعلى القائمين عليها إثبات الثابت والانفتاح على التجارب العلمية الناجحة.
“علينا تخفيف البرنامج بما لا يخل بالمبنى العام، كما أن هناك حلول لثقل المحفظة “
على غرار دول العالم، عرفت الجزائر موسم دراسي استثنائي بسبب وباء كورونا، ما رأيكم في الإجراءات المتخذة في إدارة الموسم، وهل كانت البديل الحتمي أم أن هناك بدائل أخرى أكثر نجاعة؟
فعلا كانت سنة دراسية صعبة واستثنائية لأمرين، الأول بسبب تفشي الوباء والثاني بسبب الانقطاع لمدة سبعة أشهر، لذا فالانطلاقة حين تحددت في 21 أكتوبر ساهمنا في إنجاح الدخول المدرسي ورفع التحدي رغم الأصوات التي كانت تتعالى حول خطورة الوضع الصحي، وعدم المخاطرة بالدخول المدرسي، دافعنا عن الطرح الذي اعتمدته وزارة التربية واقترحنا طريقة التفويج كحل أنجع، وقد دعونا لفتح نقاش عام للاستفادة من الوباء، واستمرار سياسة التفويج ما بعد كورونا لما لها من تخفيف على التلميذ والأستاذ كما اقترحنا في هذا الصدد تسقيف عدد الحصص للأساتذة، كما تتيح هذه السياسة المجال، لتوظيف أساتذة جدد، ونستفيد من جهة أخرى في تقليص بناء الهياكل الخاصة بالمنشئات التربوية.
من بين ما أفرزه هذا الموسم على مستوى بعض الأطوار، ما عرف بالتعليم عن بعد، أو التعليم الرقمي، ما رأيكم في ذلك، وهل بالإمكان تعميم التجربة في المواسم القادمة، وهل نملك المؤهلات والإمكانيات اللازمة؟
التعليم عن بعد فرضته الظروف ولم نكن مهيئين كمجتمع ودولة وكقطاع، وحسب رأيي فمن الصعب أن ينجح في المراحل التعليمية الأولى، لأن التلميذ في هذه المرحلة يحتاج للتفاعل مع الأستاذ، ولكن في المستوى الجامعي مثلا قد ينجح بنسبة كبيرة، ولكن الأمر يحتاج لإمكانيات معتبرة، وتدفق عالي من الأنترنت، وقد حاولت الجزائر تطبيق التعليم الرقمي في ثمانية ابتدائيات نموذجية تم ربطها مباشرة بالستاليت، وأرى أن التعليم عن بعد يستفيد منه التلميذ النجيب الذي يملك مؤهلات في حين أن التلميذ ذو المستوى المتواضع يجد صعوبة في الأمر، كما أن مناطق الظل، تدفق الأنترنت بها ضعيف، لذا لا يمكن تطبيق التعليم الرقمي في الوقت الحالي، أما في الجامعات فقد اعتمدته بعض الجامعات وقد أثبت نجاعته رغم الصعوبات الموجودة.
يطرح أهل الاختصاص، بعض الإشكاليات حول المنظومة التربوية وما تعانيه من كثافة البرامج وثقل المحفظة المدرسية وغيرها، بماذا تعلقون على ذلك وماذا تطرحون بهذا الشأن؟
علينا تخفيف البرنامج بما لا يخل بالمبنى العام، كما أن هناك حلول لثقل المحفظة كتجزيء الكتاب والاكتفاء بما هو مهم، وترك الكتب المدرسية في خزانة القسم كما كان في السابق، وهذا في الصف الابتدائي، كما أن استعمال اللوحة الرقمية في الدراسة يعتبر من الحلول الناجعة، وفي هذا السياق تم تطبيق هذه التجربة في باتنة، إلا أن تعميم هذه التجربة يتطلب إمكانيات مادية.
ما رأيكم فيما عرف بإصلاحات الجيل الثاني، وماذا تقترحون في ملف إصلاح المنظومة التربوية، وماهي الأولويات التي تركزون عليها؟
فكرة الجيل، جاءت عن خلفية محو ما حققته المدرسة الجزائرية منذ الاستقلال إلى غاية 2003، لذا فالتسمية استهجنت من طرف الكثيرين على مستوى المؤسسات التربوية.
فالبرامج التي كانت موجودة ركزت في جوانبها التاريخية على ترسيخ الثوابت الوطنية، وقدمت الشخصيات الوطنية في أزهى حلة، مبرزة الجوانب البطولية فيها، أما في إصلاحات الجيل الثاني فقد استبدلت بمواضيع من الأنترنت ليست لها علاقة بثقافتنا ومجتمعنا، وحتى الصور الوطنية أصبحت تقدم أبطال الجزائر في صور أخرى مغايرة، مثلا يقدم العربي بن مهيدي على أنه محب للموسيقى والمسرح، وهذا ما اعتبره محاولة لمحو الذاكرة التاريخية.
أجرت الحوار زهور بن عياد


























مناقشة حول هذا المقال