اليوم الوطني للصحافة محطة لتقييم ما حققته الصحافة الجزائرية من مكاسب واستذكار لتضحيات الصحفيين الذين أسهموا في الدفاع عن الهوية الوطنية والوقوف عند التحديات التي تواجه المهنة اليوم،
استثمار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي أصبح ضرورة مهنية
بمناسبة اليوم الوطني للصحافة المصادف، يفتح البروفيسور محمد دحماني، الباحث في علوم الإعلام والاتصال والميديا الرقمية ، النقاش في حديثه لــ “عالم الأهداف ” حول واقع المنظومة الإعلامية الجزائرية وأبرز التحديات التي تواجهها في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، متوقفا عند دور الذكاء الاصطناعي وسبل مكافحة التضليل الإعلامي، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات، إلى جانب آليات استعادة ثقة الجمهور والارتقاء بالممارسة الصحفية.
بداية أستاذ، اليوم الوطني للصحافة مناسبة تحمل عديد الدلالات القيمية والوطنية والنضالية، بهذه المناسبة ماذا يمكن ان نستلهم من هذه الرمزية في حاضرنا اليوم؟ ” سؤالي”
إن اليوم الوطني للصحافة، المصادف لـ22 أكتوبر، ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بالمهنة واستحضار تاريخها، بل هو محطة لتقييم ما حققته الصحافة الجزائرية من مكاسب، واستذكار تضحيات الصحفيين الذين أسهموا في الدفاع عن الهوية الوطنية ومرافقة مسيرة المجتمع، والوقوف في الوقت ذاته عند التحديات التي تواجه المهنة اليوم، إن رمزية هذه المناسبة تذكّرنا بأن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل مسؤولية وطنية ومهنية وأخلاقية، قوامها الدفاع عن حق المواطن في المعلومة، ونقل انشغالاته، والمساهمة في تنوير الرأي العام. وإذا كانت الأجيال السابقة قد أدت رسالتها في سياقات تاريخية صعبة، فإن الصحفي اليوم مطالب بمواصلة هذه الرسالة بأدوات جديدة، تفرضها التحولات الرقمية وتسارع تداول المعلومات وانتشار الأخبار المضللة.
واستلهام هذه الرمزية اليوم يقتضي الانتقال من الاحتفاء بتاريخ المهنة إلى تعزيز شروط ممارستها. وهذا يعني حماية كرامة الصحفي وحقوقه المهنية والاجتماعية، وترسيخ استقلالية المؤسسات الإعلامية، والارتقاء بأخلاقيات الممارسة، والاستثمار في التكوين والتكنولوجيا، بما يضمن إنتاج محتوى دقيق وموثوق يستجيب لتطلعات المجتمع.كما يمثل يوم 22 أكتوبر فرصة للوقوف بموضوعية عند ما تحقق من إنجازات ومكاسب في القطاع، وتحديد النقائص والانشغالات التي لا تزال قائمة، والعمل على معالجتها برؤية مستقبلية تجعل من الصحافة مؤسسة فاعلة في خدمة الصالح العام.
إن الوفاء لتاريخ الصحافة الجزائرية لا يكون باستحضار تضحيات الماضي فحسب، بل بتحويلها إلى التزام متجدد بالمصداقية والاستقلالية والمسؤولية، فقيمة الصحافة لا تُقاس بتاريخها وحده، وإنما أيضاً بقدرتها على مواكبة الحاضر، والاستجابة لتحديات المستقبل، والحفاظ على ثقة المواطن باعتبارها رأسمالها الحقيقي.
كيف ترون واقع المنظومة الاعلامية و أهم تحدياتها، و كيف يمكن تطوير هذه المنظومة الحيوية وترقيتها لتستجيب لمختلف التحديات و تتجاوزها؟
أن المنظومة الإعلامية الجزائرية تعيش مرحلة تحول مهمة، بفعل الانتقال المتسارع نحو الإعلام الرقمي، وتغير أنماط استهلاك الأخبار، والتطورات التي تشهدها البيئة التشريعية والتكنولوجية. وقد أتاح هذا التحول فرصاً لتوسيع فضاء النشر والوصول إلى جمهور أوسع، لكنه أفرز في المقابل تحديات مهنية واقتصادية وتنظيمية تتطلب معالجة شاملة، ومن أبرز هذه التحديات هشاشة النموذج الاقتصادي لبعض المؤسسات الإعلامية، وضغوط المنافسة الرقمية، وتراجع جودة بعض المضامين تحت تأثير السبق والسرعة، إلى جانب الحاجة إلى تطوير التكوين الصحفي وتعزيز التخصص والتحقق من المعلومات، خصوصاً في ظل انتشار الأخبار المضللة وتنامي استخدام الذكاء الاصطناعي، كما تظل مسألة الاستقرار المهني والاجتماعي للصحفيين، وضمان حقوقهم واستقلاليتهم، من العوامل الأساسية التي تؤثر في جودة الأداء الإعلامي ومصداقيته، أما تطوير المنظومة الإعلامية، فيتطلب، في تقديري، العمل على عدة مستويات مترابطة: أولها توفير بيئة قانونية ومهنية تضمن حرية الصحافة واستقلاليتها، وتكرّس المسؤولية واحترام أخلاقيات المهنة. وثانيها دعم الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، بما يسمح لها بالاستثمار في المحتوى والموارد البشرية والتكنولوجيا، بعيداً عن الحلول الظرفية. وثالثها تعزيز التكوين المستمر للصحفيين في مجالات الصحافة الرقمية، والتحقيق والاستقصاء، وصحافة البيانات، والتحقق من المعلومات. ولا يمكن إغفال دور الجامعة الجزائرية في هذا المسار، من خلال تعزيز الشراكة مع المؤسسات الإعلامية، وتطوير برامج تكوين تستجيب للتحولات المهنية، وربط البحث الأكاديمي بالممارسة الميدانية عبر مشاريع مشتركة في التدريب والابتكار.
فتطوير الصحافة الجزائرية لا يتحقق بمجرد تحديث الوسائل التقنية أو إصدار النصوص القانونية، بل ببناء منظومة متكاملة قوامها صحفي مؤهل ومحمي مهنياً، ومؤسسة إعلامية مستقرة اقتصادياً، وبيئة تضمن حرية العمل الصحفي ومسؤوليته. فالرهان الحقيقي هو الانتقال من إعلام يكتفي بمواكبة الأحداث إلى إعلام ينتج المعرفة، ويعمّق النقاش العام، ويعزز ثقة المواطن في المعلومة الموثوقة.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة ، كيف يمكن استخدام و استثمار التطورات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمل الاعلامي، و اين ينبغي وضع حدوده ؟
إن استثمار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي أصبح ضرورة مهنية، وليس مجرد خيار تقني، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع، إذ تتيح هذه الأدوات فرصاً مهمة لتسريع البحث، وتحليل البيانات، وتفريغ التسجيلات، والترجمة، وتطوير المحتوى الرقمي، بما يرفع كفاءة العمل الصحفي ويوفر الوقت والجهد، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات يجب أن تتم في إطار ضوابط مهنية واضحة، تقوم على اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للصحفي، لا بديلاً عن دوره في التحقق من المعلومات، وتقييم المصادر، والتحليل النقدي، واتخاذ القرار التحريري. فهذه التقنيات قد تنتج معلومات مغلوطة، أو تعيد إنتاج التحيزات، أو تُستغل في صناعة الصور والتسجيلات المفبركة ونشر التضليل. ومن هنا، تبرز ضرورة وضع حدود واضحة لاستخدامها، تشمل التحقق البشري من المحتوى قبل النشر، وحماية البيانات الشخصية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، والتحلي بالشفافية عند استخدام المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالصور والتسجيلات والمواد التي قد تُفهم على أنها توثيق حقيقي للأحداث. أما المبدأ الأساسي، فهو أن التكنولوجيا يمكن أن تطوّر أدوات الصحفي، لكنها لا ينبغي أن تعفيه من مسؤوليته المهنية والأخلاقية. فالخوارزميات قد تساعد على إنتاج المحتوى بسرعة، لكن دقته ومصداقيته تظلان مسؤولية الصحفي والمؤسسة الإعلامية.
وبالنسبة إلى الصحافة الجزائرية، فإن الرهان يتمثل في الاستثمار في التكوين الرقمي المستمر، وتطوير قدرات المؤسسات الإعلامية، ووضع مواثيق تحريرية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يضمن مواكبة التطور التكنولوجي دون المساس باستقلالية الصحفي أو ثقة الجمهور.
هنالك محاولات جديدة فرضتها التطورات المتسارعة والعميقة في المشهد الاعلامي على الصحفي، في كيفية تحقيق التوازن بين سرعة النشر و دقة المعلومات وبين نقل الاخبار الى صناعة الوعي، ما تعليقكم على ذلك ؟
إن تحقيق التوازن بين سرعة نشر الأخبار ودقتها يقتضي ترسيخ قاعدة أساسية وهي أن السبق الصحفي الحقيقي ليس في نشر الخبر أولاً، بل في نشره بصورة صحيحة وموثوقة. ففي البيئة الرقمية، حيث تتسارع المنافسة وتتزايد المعلومات المضللة، لا ينبغي أن تتحول السرعة إلى مبرر للتخلي عن التحقق من المصادر ومصداقية المعلومات. ويتحقق هذا التوازن من خلال اعتماد آليات تحريرية واضحة، تقوم على التحقق من المعلومات قبل نشرها، والاستناد إلى مصادر موثوقة ومتعددة كلما أمكن، والتمييز بين الحقائق والمعلومات غير المؤكدة، مع تحيين الأخبار وتصحيح الأخطاء بشفافية ومسؤولية. أما الانتقال من مجرد نقل الأخبار إلى صناعة الوعي، فيتطلب من الصحفي تجاوز منطق الخبر العاجل إلى التحليل والتفسير ووضع الأحداث في سياقاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يساعد الجمهور على فهم خلفيات الأحداث وانعكاساتها، بعيداً عن التهويل والتضليل والأحكام المسبقة. وهنا تكمن مسؤولية الصحفي المهنية والأخلاقية؛ فهو لا يفرض على الجمهور ما يجب أن يفكر فيه، بل يوفر له المعلومات الدقيقة والمعطيات الموثوقة التي تمكّنه من تكوين رأيه باستقلالية ووعي.إن الصحافة المهنية لا تقاس بسرعة النشر وحدها، بل بقدرتها على الجمع بين سرعة الاستجابة، ودقة المعلومة، وعمق المعالجة. فـنقل الخبر يُطلع المواطن على ما يحدث، والتحليل يساعده على فهم ما يحدث، أما الوعي فيُبنى حين يمتلك المعلومات الكافية للتفكير والحكم باستقلالية.
أجرت الحوار يمينة سادات


























مناقشة حول هذا المقال